الخاسرون الدوليون من الانتخابات النصفية الامريكية

نظرا للمكانة المركزية للولايات المتحدة في شبكة العلاقات الدولية ، فان اي تغير في المركز لا بد ان يترك ظلاله على الاطراف، ولعل التراخي الشديد في قبضة الرئيس الامريكي ترامب على توظيف السلطة التشريعية في تمرير سياساته نتيجة خسارته للاغلبية في فرعي السلطة التشريعية، فاننا –على الارجح- سنشهد مماحكات بين قوى ديمقراطية داخل الكونجرس وبين الاستنجاد الترامبي بامتيازاته القانونية بخاصة حق النقض(او الفيتو) ليتسلح بما اطلقت عليه بعض الصحافة الامريكية مصطلح “”Vetocracy لتعطيل ما يعترضه من قرارات يصدرها اي من المجلسين(الشيوخ والنواب) او ما يسمى الأوامر التنفيذية اي تسيير الأمور إلى حين فك العقدة القانونية او الإدارية.
وفي تقديري ان الارتباك في “سيولة” القرار الامريكي على الصعيد الداخلي او الدولي سيكون هو المرجح ، لا سيما ان الفيتو الذي يتسلح به الرئيس لا يمكن تجاوزه –بخاصة في الموضوعات الاستراتيجية – الا بموافقة الثلثين في كل من المجلسين، وهو امر يبدو متعذرا وإن لم يكن مستحيلا (ضمن ظروف استثنائية معينة)، ومن هنا قد يُفرط ترامب في انتهاج هذا السبيل مما قد يخلق ردات فعل في بيروقراطية الدولة وفي الشارع على حد سواء، ومن الواضح ان ترامب يتسلح بموضوع سلاح “الفيتو” من باب الردع وارباك المشروعات الديمقراطية، “بخاصة انه يدرك ان الكونجرس بأغلبية ديمقراطية في فرعيه لا تفتقر الى المخارج القانونية للرد عليه وتعطيل قراراته باحتمال نبش ملفات تحقيق قديمة وجديدة قد تصل لطرح عزله ،ناهيك عن تعطيل المجلسين التمويل لبعض الجوانب والاعتراض على تعيينات في مناصب معينة….الخ، وقد يتعرض البعض من فريق ترامب الحاكم لمساءلات ،وربما يكون وزير الدفاع هيغسيث اول الواقفين في قفص الاتهام.
في ظل هذا “الفتق” في بنية هيئة صنع القرار الامريكي ، فان البيئة الدولية ستنقسم الى فسطاطين بلغة ابن لادن : متضرر من الفتق ومستفيد منه وبينهما ” أمم وسطى”، على النحو التالي:
1- المتضررون من النتائج:
أ‌- روسيا: من المؤكد ان الديمقراطيين –في معظمهم- سيعملون على رأب الصدع في العلاقات الاطلسية والتي ساهم ترامب في شقها وبتوافق مع روسيا وبقدر كبير من المراوغات التي كانت تنتهي لصالح روسيا ولغير صالح اوكرانيا ولا اوروبا، ولعل مراقبة نتائج سياسات ترامب في الموضوع الأوكراني من الزوايا العسكرية والاقتصادية والسياسية كانت هي الاكثر قربا وتناغما مع الموقف الروسي ،وكل ما كان يبدو “شائبا” في هذه العلاقة هو من باب المراوغة المصنوعة وخلفها رجل روسي –بوتين- تكاد ان تكون خبراته الاستخبارية هي مؤهله الرئيسي. وعليه سنرى ممحاكات ترامبية مع الكونجرس الامريكي في مجال العلاقة مع الجناح الاوروبي في التحالف الاطلسي ، ذلك يعني ان الديمقراطيين سيعملون على اعادة تنشيط دعم اوكرانيا ،ومساندتها في التفاوض وزيادة التنسيق مع اوروبا في هذا الشأن، وهو ما سيضع ترامب في موقف ارتباك شديد، بينما ستعمل اوروبا على استغلال الفرصة “الديمقراطية” لزيادة الضغط على روسيا وتعزيز الموقف الاوكراني،وان يكن ذلك ليس متفقا عليه في العديد من الدول الاوروبية.
ب‌- اسرائيل: يمكن اعتبار الشأن الاسرائيلي في بنية السياسة الامريكية اقرب الى الشأن الداخلي نظرا للتماهي الاجتماعي والديني والسياسي والاستراتيجي بل والاتجاه الاعظم في تاريخ العلاقات بين الطرفين منذ اقامة اسرائيل على ارض فلسطين. لكن التحول الذي جرى في بنية الكونجرس الامريكي كان لاسباب عديدة لكن اغلبها له علاقة باسرائيل او هو من التداعيات لتلك العلاقة،فالدعم الامريكي المالي والتسليح والمساندة في المنظمات الدولية والدفاع الاعلامي والتشارك في مواقف دولية ضد روسيا او الصين او قوى التحرر العربي جعلت الحدود بين خصوصيات كل من الطرفين الامريكي والاسرائيلي متماهية بقدر كبير .
لكن موضوع انعكاس التغيير على العلاقة الامريكية الاسرائيلية لا يجوز ان ينتقل في العقل العربي الى ” التفكير الرغائبي ” والتوهم بان تغيرا ” جذريا “على الابواب، لكن ذلك لا ينفي ان مقدمات التغير تُطل برأسها وستحتاج لمقومات عديدة لتبدو شاخصة في المشهد، لكن الفترة القريبة(بقية فترة ترامب حتى مطلع 2028) توحي ب:
أ‌- سيستمر ترامب والدولة الامريكية في اتجاهها التاريخي بدعم ” استراتيجية ضمان امن اسرائيل” لكن ذلك لن يكون “بمستوى الكرم المعهود في الموقف الامريكي تجاه اسرائيل” خلال الفترة القصيرة القادمة .
ب‌- احتمال ظهور بوادر خلافات اسرائيلية مع الكونجرس بخاصة في بعض السياسات الاسرائيلية في الضفة الغربية وغزة وتحديدا موضوع الاستيطان او التهجير، ولعل اعلان منظمة J.Street بفوز اغلب مرشحيها مؤشر على ذلك، فهذه المنظمة التي تاسست عام 2008 تتخذ موقفا واضحا يقوم على: مساندة حل الدولتين ومعارضة التوسع الاستيطاني ، كما انها تؤيد استمرار الالتزام الامريكي بالامن الاسرائيلي، وهي مواقف قريبة من مؤسسة اخرى هي Americans for peace now””، وهو ما يشير للتضييق نسبيا على اللوبي اليهودي بخاصة الآيباك.
ت‌- احتمال تراجع القدرة الاسرائيلية على توظيف السياسة الامريكية للمزيد من الضغط على ايران بخاصة من جانب العمليات العسكرية.
ث‌- تدل متابعة موقف الكونجرس الامريكي الجديد ان “80% من الديمقراطيين الفائزين يؤيدون قيام دولة فلسطينية نظريا”، لكن نسبة من يؤيد منهم اتخاذ مواقف ضاغطة وعملية على اسرائيل لانجاز ذلك يتراجع الى اقل من 50%، لكن ذلك يسجل فارقا واضحا عن توجهات الجمهوريين الذين يؤيد 25-30% منهم اقامة دولة فلسطينية، لكن 10% منهم يؤيد الضغط على اسرائيل لتنفيذ ذلك، فإذا جمعنا المؤيدين من الحزبين لاقامة الدولة الفلسطينية تتضح معالم القلق الاسرائيلي، ولكن اذا حسبنا نسبة الذي يعتقدون ان الولايات المتحدة –خاصة في فترة ترامب- ستمارس ضغطا فعليا لمطالبة اسرائيل ” ببعض المرونة ” تجاه المطالب الفلسطينية هي في حدود 55-60% من المجموع ،وهو ما لا يلغي القلق الاسرائيلي لكنه سيحث القيادة الاسرائيلية على مزيد من الجهد لتقليص النسبة الى ما دون ذلك.
ج‌- يمكن تقسيم معدلات التاييد لاسرائيل داخل الحزبين بعد الانتخابات الأخيرة طبقا لبعض التقييمات الاولية على النحو التالي :
أولا الحزب الديمقراطي:
– معارض بشدة لسياسات اسرائيل 20%
– معارض نسبيا 30%
– معارض في قضايا محدودة وقليلة 30%
– مؤيد دون اي تحفظ لاسرائيل 20%
ثانيا الحزب الجمهوري:
– معارض بشدة لسياسات اسرائيل 1%
– معارض نسبيا 4%
– معارض في موضوعات غير استراتيجية ومحدودة 15%
– مؤيد تماما لاسرائيل 80%
ومن الواضح ان المراهنة المتفائلة للموقف الامريكي من اسرائيل في المدى القصير هي مراهنة لا تدعمها المؤشرات الميدانية .،ولكن كيف ستكون السياسة الامريكية تجاه اسرائيل خلال الفترة القليلة القادمة:
أ‌- ازدياد نسبي جدا للرقابة على المساعدات العسكرية وصفقات السلاح لاسرائيل (وربما لا تتجاوز المناقشات فقط)
ب‌- تراجع الحماية السياسية لاسرائيل في” بعض ” النشاطات الدولية
ت‌- استمرار الالتزام باستراتيجية أمن اسرائيل.
ث‌- تراجع الالتزام الامريكي مع اسرائيل بالضغط على ايران عسكريا.
إيران:
من الواضح ان ايران تحاول تفسير هزيمة ترامب الكبرى على ان نصيبا كبيرا من هذه الهزيمة يعود لموقفها ضده، فهي تحدته ، وأغلقت مضيق هرمز رغم اكاذيب ترامب عن سيطرته على المضيق ، ولم يتمكن من اسقاط النظام الايراني بل ازداد رسوخا، كما ان اسعار الطاقة واستطراقها لقطاعات اقتصادية اخرى جعلت جيه دي فانس نائب ترامب يقر بدور الحرب على ايران في كل هذه المظاهر، ولعل ذلك يعزز المكانة الايرانية اقليميا، ويربك توجهات خصومها الاقليميين بل وقد يؤسس لخلافات خليجية قادمة بخصوص طبيعة العلاقة مع هذه القوة الاقليمية، ناهيك عن المماحكات الشخصية والموضوعية بين دول مجلس التعاون الخليجي.
اما الصين فقد يراودها “امل” بان تتراخى السياسات التجارية الترامبية تجاهها ، لكن ذلك لا يعني تراخي المنافسة الاستراتيجية، وهو نفس ما تنتظره الهند، لكن موضوع تايوان يبقى اساسيا في العلاقة بين الدولتين، إذ تكاد ان تكون تايوان هي من ضمن القضايا الدولية التي يتقارب فيها موقف الحزبين الديمقراطي والجمهوري، لكن مع فارق بسيط في ان الجمهوريين اكثر تشددا مع الصين في حالة الهجوم على تايوان بينما يتوافق الحزبان على قبول صيغة ” صين واحدة بنظامين”.
أخيرا، ودون ان يبدو ما سأقوله تطاولا شخصيا، فان ترامب “غير مؤهل” ليقود اقوى قوة في العالم،والارتباك الذي ادخل بلاده فيه نتيجة وقوعه في أشراك لا تنتهي من نرجسيته المَرَضية وضعف ادراكه لتعقيدات العالم المعاصر،وغلبة التفكير التجاري على سلوكه السياسي ،ثم خطابه السياسي الذي لا ينقطع بل ويقدم صورة عن “كذاب، مشغول احيانا بسفاسف الامور، ثم وقوعه على ما يبدو بارتباطات مشبوهة مع الروس من ناحية وعدم قدرته على التملص من ملفات ابستين التي يوظفها الموساد ليجبره على الركوع لمطالب نيتنياهو المتهورة من ناحية ثانية…فالارتباك القادم ليس وليد صدفة بل نتيجة منطقية لحاكم “ارعن في دولة دخلت مرحلة التراجع من أكثر من عقدين بشهادة العشرات من كبار المفكرين الامريكيين الذين سبق وعرضنا لدراساتهم في هذا الجانب”..ربما.