الخلوة الإيجابية… حين يصبح الهدوء ملاذا للروح

 

ليس كل ابتعاد عن ضجيج الحياة هروبا، ولا كل صمت دليلا على الحزن أو الوحدة. فأحيانا يصل الإنسان إلى مرحلة يجد فيها أن الهدوء لم يعد مجرد رغبة عابرة، بل مساحة يحتاجها ليستعيد توازنه النفسي، بعيدا عن كثرة الأحاديث والتفاعلات اليومية.

ومع مرور الوقت وتراكم المسؤوليات والتجارب، قد يصبح الإنسان أكثر ميلا إلى اختيار أوقاته وعلاقاته بعناية، وأكثر تقديرا للحظات لا يحتاج فيها إلى تفسير صمته، أو تبرير غيابه، أو مجاراة كل ما يدور حوله.

في علم النفس، يعرف مفهوم الخلوة الإيجابية (Positive Solitude) بأنه قضاء الإنسان وقتا بمفرده باختياره، للاستمتاع بالهدوء ومنح نفسه مساحة للتأمل والراحة بعيدا عن الضغوط والتفاعلات الاجتماعية.

وماذا يقول العلم؟

بحسب دراسة نشرت عام 2023 في مجلة Scientific Reports، وشملت 178 مشاركا تمت متابعتهم لمدة تصل إلى 21 يوما، ارتبط قضاء وقت أطول بمفردهم بانخفاض الشعور بالتوتر وزيادة الإحساس بالاستقلالية.

كما أظهرت الدراسة أن اختيار الخلوة بإرادة شخصية قد يخفف بعض آثارها السلبية المرتبطة بالشعور بالوحدة وانخفاض الرضا اليومي.

ومع ذلك، يبقى من المهم التمييز بين خلوة نختارها لنستريح، وعزلة تفرضها علينا مشاعر الحزن والوحدة. فالإنسان يحتاج إلى مساحته الخاصة، كما يحتاج إلى علاقات إنسانية تمنحه الأمان والانتماء، والتوازن بينهما هو ما يصنع الفرق.

ولعل أجمل ما في الهدوء أننا لا نبتعد دائما لأننا فقدنا الرغبة في الآخرين، بل لأننا أدركنا أن أرواحنا تحتاج أحيانا إلى مساحة لا يزاحمها فيها أحد.

فليس كل صمت فراغا، ولا كل ابتعاد جفاء، ولا كل من اختار الهدوء فقد شغفه بالحياة.

فبعض المسافات لا تبعدنا عن العالم، بل تعيدنا إلى أنفسنا، وبعض لحظات الصمت تمنح أرواحنا ما عجزت عنه آلاف الكلمات.

د. رند سلوان عبود
طبيبة أسرة