السودان: الحرب المنسية وأعباء اللجوء على دول الجوار العربي

على الرغم من أن السودان يعيش اليوم أكبر أزمة نزوح في العالم، إذ اضطر أكثر من 13 مليون إنسان إلى ترك بيوتهم منذ أبريل 2023، إلا أن أخباره تمرّ في نشراتنا مرور الكرام، بين خبر عن أسعار النفط وآخر عن نتائج المباريات. وكأن ما يجري على ضفاف النيل شأن بعيد لا يعنينا.

فخلف كل رقم أمٌّ حملت أطفالها وعبرت الصحراء نحو أسوان أو أدري أو الكفرة، وخلف كل رقم مدينة عربية فتحت أبوابها وهي تئن أصلًا تحت أزماتها الاقتصادية. فمصر وحدها استقبلت نحو مليون ونصف سوداني، وتشاد قرابة المليون، وليبيا أكثر من نصف مليون.

وهنا يبرز السؤال الذي يحاول هذا المقال الإجابة عنه: إلى متى تستطيع دول الجوار العربي أن تحمل وحدها عبء حرب لم تُشعلها؟ وهل كان الوجود السوداني على أراضيها عبئًا خالصًا، أم أنه حمل في طياته فرصًا لم نُحسن استثمارها بعد؟

تحديات على الصعيد الإنساني

إن النزوح في السودان لا يعني الانتقال من مكان إلى آخر فحسب، فكثير من الأسر نزحت مرات متكررة، فخسرت ممتلكاتها ومدخراتها، وأكثر من نصف النازحين من الأطفال. وتتحمل المرأة السودانية العبء الأكبر، إذ صارت في حالات كثيرة المسؤولة الوحيدة عن تأمين الغذاء والماء ورعاية الأطفال.

غير أن التحدي الأخطر هو الجوع. فقد حذّر المرصد الأممي للأمن الغذائي في 12 أكتوبر 2026 من تزايد خطر المجاعة في إقليمي دارفور وكردفان، بعد أن أضاف جفاف ظاهرة النينيو عبئًا جديدًا فوق عبء الحرب. وتقدّر منظمة العمل ضد الجوع أن 24.6 مليون سوداني يعانون انعدام الأمن الغذائي، في حين تراجعت إمدادات الأسمدة هذا العام من 450 ألف طن إلى نحو 50 ألفًا فقط، مما يهدد المواسم الزراعية القادمة. وفي منطقة طويلة بدارفور وحدها، يواجه أكثر من 700 ألف نازح نقصًا حادًا في الغذاء والماء والرعاية الصحية.

أعباء على دول الجوار العربي

إن فتح دول الجوار أبوابها أمام السودانيين الفارين من الحرب زاد من التحديات التي تواجهها حكوماتها على كافة الأصعدة، وهي دول تعاني أصلًا من أزمات اقتصادية خانقة.

مصر: تستضيف مصر النصيب الأكبر، إذ تقدّر الحكومة المصرية أن نحو 1.5 مليون سوداني دخلوا أراضيها منذ اندلاع الحرب، فيما بلغ عدد المسجلين لدى المفوضية 851,947 لاجئًا سودانيًا حتى نهاية يونيو 2026. وقد أدى الطلب المتزايد على السكن إلى ارتفاع الإيجارات ارتفاعًا كبيرًا، وصل في بعض الحالات إلى 500%، فتضرر منه المواطن المصري واللاجئ السوداني معًا. أما على مستوى التعليم، فقد مرّت المدارس السودانية في مصر بسلسلة من الإغلاقات لعدم استيفائها الشروط القانونية، قبل أن تعلن الحكومة المصرية استعدادها لتقنين أوضاعها، وبين هذا وذاك عاش آلاف الطلاب قلقًا على مستقبلهم الدراسي. كل ذلك في بلد بلغ دينه الخارجي نحو 164 مليار دولار بنهاية 2025.

تشاد: وهي الدولة التي تتخذ العربية لغة رسمية إلى جانب الفرنسية، استقبلت نحو 935 ألف لاجئ سوداني منذ 2023، معظمهم من دارفور، ويصل واحد من كل عشرة أطفال منهم مصابًا بسوء التغذية. وقد دفعت التوترات الأمنية تشاد إلى إغلاق حدودها الشرقية مع السودان في فبراير 2026.

ليبيا: قدّرت المفوضية أن نحو 560 ألف سوداني فرّوا إلى ليبيا حتى مارس 2026، غير أن كثيرًا منهم يُعاملون كمهاجرين غير شرعيين، فلا يحصلون على الخدمات ويتعرضون للاحتجاز والترحيل، إذ رُحّل أكثر من 3,700 منهم في عام 2025 وحده، مما يدفع بعضهم إلى المخاطرة بعبور البحر نحو أوروبا.

ضغط على التمويل الدولي

وكما تفاقم الوضع الإنساني، تراجع الدعم الدولي. فخطة الاستجابة الإنسانية للسودان لعام 2026 تحتاج إلى 2.9 مليار دولار، لكنها لم تحصل حتى أكتوبر إلا على نحو 41% منها، وبلغت فجوة التمويل 57%. وأكثر القطاعات تضررًا هي التغذية التي لم تتلقَّ سوى 30% من احتياجاتها، والمياه والصرف الصحي التي لم تتلقَّ سوى 23%.

أما على الصعيد الإقليمي، فقد أطلقت المفوضية السامية للاجئين و123 شريكًا نداءً بقيمة 1.6 مليار دولار لمساعدة 5.9 مليون شخص في سبع دول مجاورة، بينهم 1.8 مليون من أبناء المجتمعات المضيفة نفسها. وهذا يعني أن الأزمة لم تعد أزمة السودانيين وحدهم، بل أزمة المضيف والضيف معًا. ويرى محللون أن انشغال القوى الكبرى بصراعات ذات أولوية استراتيجية لها، كالتوتر مع إيران، جعل السودان في ذيل قائمة الاهتمام الدولي.

لوجودهم ميزات

لكن سيتساءل القارئ: هل اقتصر وجود السودانيين في دول الجوار على الأعباء؟ للإنصاف والحقيقة، كان لهذا الوجود آثار إيجابية واضحة، وبخاصة في مصر. فبحسب اتحاد الصناعات السوداني، ارتفعت الاستثمارات السودانية في العقارات المصرية إلى نحو 40 مليار دولار، بعد أن كانت 23 مليارًا عند بداية الحرب. كما نقلت مصانع سودانية كثيرة خطوط إنتاجها إلى مصر، وصارت تصدّر منتجاتها من هناك إلى السودان، فوفّرت فرص عمل وحرّكت عجلة الإنتاج.

ويُضاف إلى ذلك أن تحويلات المغتربين السودانيين، المقدّرة بنحو 7 مليارات دولار سنويًا، صارت تُنفق داخل مصر على السكن والتعليم والعلاج بدلًا من أن تذهب إلى السودان. وقد انتعش سوق العقارات المصري انتعاشًا كبيرًا مع قدوم السودانيين، حتى إن عودة أعداد منهم إلى بلادهم أدت إلى ركود ملحوظ في هذا السوق. أي أن السوداني لم يكن عبئًا فحسب، بل كان مستهلكًا ومستثمرًا وصاحب عمل.

تشاور لإيجاد حل

لذا نرى أنه من الجدير بالدول المضيفة أن تستفيد من الاستثمارات السودانية القائمة على أراضيها، بتقديم تسهيلات قانونية للمستثمرين وتقنين أوضاع المدارس والأعمال السودانية بدلًا من إغلاقها، فالتنظيم أجدى من الإغلاق. ويرافق ذلك تنظيم الإقامة والعمل، حتى لا يبقى اللاجئ بين خياري العمل غير الرسمي أو العودة إلى الخطر.

وفي الأيام القليلة الفائتة، بحث مندوب السودان في جنيف مع المفوض السامي للاجئين برهم صالح سبل تهيئة الظروف لعودة نحو ستة ملايين نازح ولاجئ. وهي خطوة مهمة، ولكن السؤال المطروح: لماذا تبقى الدول العربية في موقع المتفرج، بينما تُدار أكبر أزمة نزوح في العالم من جنيف؟ لماذا لا تنشئ جامعة الدول العربية صندوقًا عربيًا مشتركًا لدعم الدول المضيفة، يخفف عن مصر وتشاد وليبيا، ويعيد إعمار ما دمرته الحرب في الخرطوم والجزيرة وسنار، حتى تصبح العودة خيارًا آمنًا لا مغامرة؟

إن السودانيين ليسوا لاجئين بلا وطن، فلهم دولة وحكومة معترف بها، وعليها أن تتحمل مسؤوليتها تجاه مواطنيها في الداخل والخارج. ولكن الحرب حين تطول، يدفع ثمنها الجميع. فإذا لم نتحرك نحن، أبناء المنطقة، فمن سيتحرك؟!