الإنكفاء الوظيفي و مؤشرات الخلل المؤسسي

في قصته الشهيرة “بارتلبي الناسخ“، التي كتبها الأديب الأمريكي هرمان ملفيل قبل أكثر من قرن ونصف، نقرأ عن موظفٍ يواجه تكليفات رئيسه بعبارة مقتضبة: “أُفضِّل ألاّ أفعل”. ولئن كانت شخصية بارتلبي أعمق من أن تُختزل في تفسير إداري، فإنها تستحضر سؤالًا يتجدد في مؤسسات العصر: ماذا يحدث حين يظل الإنسان في وظيفته، بينما تتراجع رغبته في العطاء؟ تلك إحدى صور الانكفاء الوظيفي، أو ما يُعرف بالاستقالة الصامتة، حيث يؤدي الموظف واجباته الأساسية دون رغبة في المبادرة أو بذل جهد يتجاوز حدود التزاماته.

غير أن الإنصاف يقتضي التمييز بين الانكفاء وبين حق الموظف في تنظيم وقته وحياته؛ فليس كل امتناع عن بذل جهد اضافي في العمل يعد تقصيرًا. وقد خلصت مراجعة علمية نُشرت عام 2026 في في المجلة الفصلية للمراجعات الإدارية ((MRQ، وشملت خمسين دراسة، إلى أن الظاهرة تتداخل فيها عوامل فردية وتنظيمية واجتماعية. وأكدت دراسة أخرى في مجلة إدارة الموارد البشرية(HRM)، أن إخلال المؤسسات بوعودها، ولا سيما ما يتعلق بالعدالة وطبيعة العمل، يرتبط بتزايد الانكفاء عبر تراجع الرضا الوظيفي. فالعقد المكتوب يحدد الواجبات، لكن الثقة تستمد قوتها مما تفي به المؤسسة من التزامات.

وللمشكلة أبعاد عالمية تستحق التأمل؛ فتقرير غالوب لعام 2026 يكشف أن 20% فقط من العاملين حول العالم منخرطون فعليًا في أعمالهم، ويقدّر خسائر الإنتاجية المرتبطة بضعف الانخراط بنحو عشرة تريليونات دولار سنويًا. وتضيف منظمة الصحة العالمية أن الاكتئاب والقلق يتسببان في فقدان اثني عشر مليار يوم عمل سنويًا. ورغم أن هذه المؤشرات لا تقيس الانكفاء الوظيفي مباشرة، فإنها تكشف اتساع التحديات التي تواجه إدارة العنصر البشري، وما تتركه بيئات العمل المرهقة من آثار اقتصادية واجتماعية.

وفي الولايات المتحدة، تربط السلطات الصحية الاحتراق المهني بتراكم الأعباء الإدارية والتشغيلية وضعف الدعم المؤسسي. وفي التعليم، أظهر مسح مؤسسة “راند” لعام 2026 أن 18% من المعلمين يعتزمون ترك وظائفهم. أما في أوروبا، لا تبدو الصورة أقل قلقًا، فقد حذرت منظمة الصحة العالمية أوروبا من نقص يقترب من مليون عامل صحي بحلول 2030، بينما أشار البرلمان الأوروبي إلى أن 20 دولة في الاتحاد الأوروبي أبلغت عن نقص في الأطباء و15 دولة عن نقص في الممرضين. أما في التعليم، فتبيّن تقارير يوريديس أن 38 نظامًا تعليميًا أوروبيًا تواجه تحديات متنامية في استقطاب المعلمين والاحتفاظ بهم، بفعل الضغط، وضعف الجاذبية المهنية، والأجور غير التنافسية، وتراجع التقدير. أما الصين، فليست بعيدة عن هذا المسار؛ إذ أظهرت مراجعة منهجية حديثة شملت 88 دراسة في القطاع الصحي ارقاما ثقيلة جدا، حيث ان الانتشار المجمّع للاحتراق الوظيفي بلغ 61%. كما بلغ انتشار التبلد اواللامبالاة المهنية 41%، وتدنّي الإنجاز الشخصي 50%. وهذه مؤشرات لظواهر متمايزة، لكنها تكشف حجم الضغوط التي تواجه المؤسسات في استبقاء خبراتها وحماية استمرارية خدماتها.

وحين تمتد هذه الضغوط إلى المؤسسات الحكومية، فإن الخسارة تتجاوز حدود الموظف والمنشأة؛ فتراجع المبادرة، واستنزاف الخبرات، وارتفاع معدلات المغادرة، كلها عوامل تُضعف جودة الخدمات وترفع تكلفتها. وهنا تبرز مسؤولية السياسات العامة والحوكمة في معالجة الأسباب، من خلال مراجعة أعباء العمل، وضمان عدالة التقييم والترقية، وحماية حق التظلم، وإشراك الموظفين في القرارات التي تمس بيئاتهم المهنية. كما ينبغي أن تُقاس كفاءة القيادات بقدرتها على بناء الثقة واستبقاء الكفاءات، لا بحصيلة المؤشرات التشغيلية وحدها.

ولعل أخطر ما في الانكفاء الوظيفي أن المؤسسة قد تتأخر في إدراك خسارتها؛ فالموظف حاضر في سجلاتها، يؤدي ما يُطلب منه، بينما تتآكل صلته بها دون ضجيج. وقد تنجح اللوائح في ضبط الحضور، لكنها لا تستطيع أن تفرض الانتماء؛ فذلك رصيد تصنعه العدالة، وتحفظه الحوكمة الرشيدة، وتبدده إدارة لا تصغي إلا بعد أن يطول الصمت.

mestarihihashem@gmail.com