“ما طار طير وارتفع، إلا كما طار وقع”…
مثل قديم، لكنه ما زال صالحًا لقراءة الكثير من حكاياتنا اليوم.
يُنسب هذا البيت إلى الإمام الشافعي، ضمن أبيات عن الطمع والقناعة:
حسبي بعلمي إن نفع
ما الذل إلا في الطمع
من راقب الله نزع
عن سوء ما كان صنع
ما طار طير وارتفع
إلا كما طار وقع
قد نفهمه ببساطة على أن من ارتفع كثيرًا لا بد أن يأتي يوم ويهبط. لكن في الحياة معنى آخر يستحق التأمل: ليس كل ارتفاع دليل نجاح، فبعض الصعود يبدأ من حق إنسان آخر.
قد يأخذ شخص لقمة عيش من كتف غيره، أو ينتزع ثناءً كان غيره أحق به، أو يستولي على ميراث، أو يصل إلى منصب بعدما أُزيح من كان أحق به.
ثم يمضي مطمئنًا، وقد أقنع نفسه أن ما حصل عليه كان مجرد فرصة، أو شطارة، أو نصيب.
وهنا تكمن الحكاية الأصعب: أن الإنسان قد يصبح مُعمّى عن نفسه. لا يرى الظلم الذي صنعه، لأن النفس قادرة على تزيين أفعالها حين تكون المصلحة في صفها.
لكن الحقوق لا تتغير حقيقتها بتغيير مصطلحاتها؛ وما سُمّي شطارة قد يكون تعديًا، وما سُمّي نصيبًا قد يكون حقًا أخذه صاحبه من غيره.
لذلك، ربما لا يكون معنى المثل أن كل من ارتفع سيقع، بقدر ما هو تذكير بأن الارتفاع على حساب الآخرين ليس ارتفاعًا خاليًا من الثمن.
ويبقى السؤال الذي يستحق أن نتوقف عنده:
هل الارتفاع يُقاس بما وصل إليه الإنسان، أم بما تركه خلفه من حقوق؟
