لم يعد التشتت الذهني أمرا عارضا، بل أصبح تجربة يومية يعيشها كثيرون في تفاصيل حياتهم البسيطة. بين تصفح سريع للهاتف، والانتقال بين الرسائل، ومتابعة الأخبار، والانجذاب إلى المقاطع القصيرة، يجد الإنسان نفسه في حالة حضورٍ مشتت، يلامس أشياء كثيرة دون أن يمنح أيا منها تركيزًا حقيقيًا. ومع تكرار هذا النمط، يبدأ العقل بفقدان قدرته على الاستقرار، ويصبح الإرهاق الذهني نتيجة طبيعية حتى دون مجهود يُذكر.
هل تعلم عزيزي القارىء أن كثرة التنقل بين الهاتف، والرسائل، والأخبار، والمقاطع القصيرة قد تُدخل الدماغ في حالة من “الانتباه المتقطع”، حيث ينتقل سريعًا بين مهام متعددة دون أن يستقر على تركيز عميق؟
وبحسب الجمعية الأمريكية لعلم النفس، فإن هذا الانتقال المتكرر بين المهام ليس بلا ثمن؛ إذ يحتاج الدماغ في كل مرة إلى وقت وجهد ذهني لإعادة ضبط تركيزه، مما قد ينعكس سلبًا على كفاءة الانتباه وجودة الإنجاز.
ولهذا قد يشعر البعض، مع نهاية اليوم، بتعب ذهني واضح، أو تشتت في الأفكار، أو صعوبة في ترتيب الأولويات، رغم أنهم لم يبذلوا جهدًا جسديًا يُذكر.
وهنا يتجلى المعنى القرآني بعمق:
﴿ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا﴾
فالسمع والبصر والفؤاد ليست مجرد وسائل نتلقى بها العالم من حولنا، بل هي مسؤولية واعية عمّا نسمع، وما نرى، وما نسمح له أن يشغل عقولنا وقلوبنا.
إن العناية بالعقل لا تعني فقط الإكثار من القراءة والتعلّم، بل تعني أيضًا حماية الانتباه من الفوضى، وممارسة وعيٍ انتقائي فيما ندخله إلى وعينا.
فليس كل ما نراه يستحق أن ننشغل به،
وليس كل ما نسمعه يستحق أن نحمله داخلنا، وأحيانا يكون حفظ العقل… بداية حفظ القلب.
د. رند سلوان عبود
طبيبة أسرة
