لم تقتصر تبعات الحرب على إيران على رفع أسعار النفط فحسب، بل أجبرت الأسواق على إعادة حساباتها للمخاطر باستمرار، مع كل منعطف أو اتفاق أو جمود في صراع تخضع مساره لحسابات سياسية أميركية وإسرائيلية قادرة على قلب المعادلة في لحظة.
دخل خام برنت عام 2026 عند 60.75 دولاراً للبرميل، في وقت كانت السوق تراهن على وفرة المعروض. لكن سرعان ما اهتزت هذه الثقة مع اقتراب الحرب، إذ صعد السعر إلى 72.48 دولاراً في 27 فبراير مع تنامي مخاطر تعطل الإمدادات. وعندما اندلع القتال وأغلق مضيق هرمز فعلياً، تحول التهديد إلى واقع، فقفز برنت إلى 112.19 دولاراً في 20 مارس، مع توقف الصادرات، وزيادة إعلانات القوة القاهرة، وتزايد مخاطر حصار بحري مطوّل.
لكن الهبوط الذي تلا ذلك كان بنفس درجة الأهمية. إذ تراجعت الأسعار كلما لمحت الدبلوماسية إلى أن الأزمة مؤقتة، وعادت للارتفاع مع فشل المفاوضات أو تجدد القصف. لم تكن السوق ترصد البراميل المفقودة فحسب، بل كانت تعيد تقدير الاحتمالات الممكنة لكل يوم قادم: إما استعادة سريعة للإمدادات، أو تصعيد يعطل المزيد من الإنتاج والبنية التحتية.
وهذا يفسر لماذا كان ارتفاع الأسعار النهائي أقل حدة وأسرع زوالاً مما توحي به ضخامة الصدمة. فقد شرع المنتجون، قبل حتى تعويض الكميات المفقودة، في البحث عن طرق بديلة لإيصال نفطهم. فعززت السعودية صادراتها عبر خط شرق-غرب إلى ينبع، واستخدمت الإمارات خط حبشان-الفجيرة، مع الاعتماد على المخزونات وترتيبات شحن مرنة، بينما أعاد العراق تدفقاته عبر تركيا. كما تم تحويل شحنات الخام من الغرب إلى آسيا. ورغم أن هذه البدائل لم تعوّض دور المضيق الذي كان يمر به 20 مليون برميل يومياً قبل الحرب، إلا أنها خفّضت حجم الإمدادات التي لم يعد بالإمكان تصديرها.
ولعب الوقت دوراً في امتصاص الصدمة أيضاً. فقد جرى سحب غير مسبوق من الاحتياطيات الاستراتيجية، وامتصت المخزونات التجارية جزءاً من الضغط. لكن هذا الهامش الوقائي كلّف غالياً، إذ تراجعت المخزونات العالمية المرصودة بشدة، وحذّرت الوكالة الدولية للطاقة من أن استمرار السحب قد يوصّلها إلى مستويات قياسية متدنية. وفي المقابل، أدى ارتفاع الأسعار واضطراب الاقتصاد وتراجع تشغيل المصافي إلى إضعاف الطلب، مما ضيّق الفجوة الآنية بين العرض والطلب.
لكن الخطر لم يتبدد تماماً. فقد منحت بوادر انفراج في أوائل أغسطس الخام بعض التراجع، مع ترقب السوق لاتفاق بين إيران وعُمان والولايات المتحدة يعيد فتح الممرات الملاحية. بيد أن تلك الآمال سرعان ما تلاشت. وتؤكد إيران قرب توصلها لاتفاق مع عُمان بشأن ممرات جديدة، لكنها تشترط لإعادة فتح المضيق تنازلات أميركية، تشمل تعويضات، وتخفيف عقوبات، ورفع الحصار.
