قد يعيش الإنسان سنوات وهو يعاني من مقاومة الإنسولين من دون أعراض واضحة، في الوقت الذي يعمل فيه البنكرياس بجهد أكبر للحفاظ على مستوى سكر الدم ضمن الحدود الطبيعية. ولهذا تستحق مقاومة الإنسولين الانتباه المبكر، خصوصًا لارتباطها بزيادة خطر الإصابة بمرحلة ما قبل السكري والسكري من النوع الثاني.
تحدث مقاومة الإنسولين عندما تصبح خلايا العضلات والأنسجة الدهنية والكبد أقل استجابة لتأثير هرمون الإنسولين. والإنسولين هو الهرمون الذي يساعد الجسم على استخدام الغلوكوز الموجود في الدم كمصدر للطاقة. وعندما تقل استجابة الخلايا له، يحاول البنكرياس التعويض بإفراز المزيد من الإنسولين، وقد ينجح في المحافظة على مستويات طبيعية نسبيًا من سكر الدم لفترة من الزمن. لكن استمرار هذه الحالة قد يؤدي تدريجيًا إلى ارتفاع مستوى الغلوكوز وظهور مرحلة ما قبل السكري، ومن ثم تطور السكري من النوع الثاني لدى بعض الأشخاص.
ماذا تقول دراسة من قطر؟
أظهرت دراسة نُشرت عام 2025، واعتمدت على بيانات Qatar Biobank وشملت 7,875 مشاركًا، أن تقديرات انتشار مقاومة الإنسولين تراوحت بين نحو 51% و65% بحسب المؤشر المستخدم.
المصدر: Frontiers in Endocrinology, 2025.
هل لمقاومة الإنسولين أعراض أو علامات واضحة؟
غالبًا لا تسبب مقاومة الإنسولين ومرحلة ما قبل السكري أعراضًا واضحة، ولذلك قد لا يعرف الشخص بوجود المشكلة إلا بعد إجراء الفحوصات.
لكن قد تظهر لدى بعض الأشخاص علامة جلدية تُعرف باسم الشواك الأسود (Acanthosis nigricans)، وتتمثل في ظهور مناطق من الجلد أكثر اسمرارًا وسماكة وذات ملمس مخملي، خصوصًا في ثنيات الجلد مثل الرقبة والإبطين. وقد يرتبط الشواك الأسود بمقاومة الإنسولين، لكن وجوده وحده لا يكفي لتشخيصها.
ولهذا لا ينبغي انتظار ظهور أعراض السكري المعروفة، مثل كثرة التبول والعطش أو فقدان الوزن غير المبرر، قبل الاهتمام بمستويات السكر وعوامل الخطورة.
من الأكثر عرضة لمقاومة الإنسولين؟
تزداد احتمالات مقاومة الإنسولين ومرحلة ما قبل السكري لدى الأشخاص الذين يعانون من زيادة الوزن أو السمنة، خصوصًا تراكم الدهون حول منطقة البطن، ومع قلة النشاط البدني ووجود تاريخ عائلي للإصابة بالسكري. كما ترتبط المقاومة بعدد من الحالات، من بينها متلازمة تكيس المبايض، واضطرابات الدهون، وارتفاع ضغط الدم، ومرض الكبد الدهني المرتبط باضطراب الأيض.
وتوصي معايير الجمعية الأمريكية للسكري لعام 2026 بالتحري عن مرحلة ما قبل السكري والسكري من النوع الثاني لدى البالغين من أي عمر ممن لديهم زيادة في الوزن أو السمنة مع وجود عامل خطر إضافي، كما توصي ببدء التحري لدى بقية البالغين من عمر 35 عامًا.
ما الفحوصات التي تكشف الخلل مبكرًا؟
لا يوجد في الممارسة السريرية الروتينية اختبار واحد معتمد لتشخيص «مقاومة الإنسولين» لدى الجميع. ويعتمد التحري عن مرحلة ما قبل السكري والسكري أساسًا على:
* سكر الدم الصائم (FPG)
* السكر التراكمي (HbA1c)
* اختبار تحمّل الغلوكوز الفموي بعد ساعتين (OGTT)
وتُعرّف مرحلة ما قبل السكري عادةً بوجود HbA1c بين 5.7 و6.4%، أو سكر صائم بين 100 و125 ملغم/ديسيلتر، أو سكر بعد ساعتين من اختبار تحمّل الغلوكوز بين 140 و199 ملغم/ديسيلتر.
أما قياس الإنسولين الصائم وحساب مؤشرات مثل HOMA-IR فقد تُستخدم في بعض السياقات وفق التقييم الطبي، لكنها ليست بديلًا عن الاختبارات المعتمدة لتشخيص مرحلة ما قبل السكري أو السكري.
هل يمكن تحسين حساسية الجسم للإنسولين؟
مقاومة الإنسولين لا تعني أن الإصابة بالسكري أمر حتمي. فالنشاط البدني المنتظم، وتحسين نوعية الغذاء، وتقليل الوزن عند وجود زيادة فيه، والحد من الجلوس لفترات طويلة، كلها عوامل تساعد على تحسين الصحة الأيضية وتقليل خطر تطور السكري.
إن أهمية مقاومة الإنسولين تكمن في إمكانية بقائها صامتة بينما تتطور التغيرات الأيضية تدريجيًا. لذلك فإن معرفة عوامل الخطورة وإجراء الفحوصات المناسبة في الوقت المناسب قد يوفران فرصة للتدخل مبكرًا.
فالوقاية لا تبدأ عندما يرتفع السكر إلى مستويات مرضية، بل تبدأ قبل ذلك بسنوات، عندما نتعرف إلى عوامل الخطر ونمنح الجسم فرصة لاستعادة توازنه.
دمتم بصحة وعافية
د. رند سلوان عبود
طبيبة أسرة
