النساءُ فناجينُ لا تُصنعُ من خزف، بل من مواسمَ أثقلها وأرهقها الحنين.
في كلِّ امرأةٍ قهوةٌ تُحمّصُ على جمرِ الذكرى، وشايٌ ينقعُ في ينابيعِ الصبر، حتى إذا اقتربتَ منها، حسبتَ أن الروائحَ قد أستعارتْ أجساداً تمشي، وأنَّ العطرَ صار لغةً لها نبضٌ وذاكرة.
بعضُ النساءِ قهوةٌ تُشربُ بالعين قبل الشفاه، سوداءُ كالأسئلةِ الأولى، لامعةٌ كجناحِ غرابٍ ابتلَّ بندى الفجر، مُرَّةٌ بقدرِ ما في القلبِ من حقائق، وحلوةٌ بقدرِ ما في الغيابِ من حنين.
فإذا ارتشفتَ حضورَها، سمعتَ في فنجانِها خشخشةَ الأزمنة، ورأيتَ البنَّ يطحنُ الوقتَ حتى يغدو النهارُ حفنةَ عطرعلى يد القدر.
وبعضُ النساءِ شايٌ يعرفُ أسماءَ الأعشابِ التي نبتتْ في حدائقِ الغيب.
إذا غلَتْ مياهُ الكلام، ألقينَ فيها أوراقَ الصمت، فيصيرُ السكونُ شراباً أخضرَ، وتصبحُ الطمأنينةُ بخاراً يتصاعدُ من بين الأصابع.
بعضهنَّ لا يُطفئنَ العطش، بل يُحسّن ترويض الوحشة.
وهناك أيضاً امرأةٌ لا تشبهُ القهوةَ ولا الشاي؛ تشبهُ الفنجانَ حين يحلمُ بأن يكونَ سماءً، وتشبهُ الملعقةَ حين تتعلَّمُ أن تغرفَ من الضوء، وتشبهُ السكرَ حين يذوبُ في المرارةِ ليكتشفَ أنَّ الحلاوةَ ليست نقيضاً لها، بل وجهُها الآخر.
فالنساءُ لا يُرتشفنَ دفعةً واحدة؛ إنهنَّ يُقرأنَ كما تُقرأُ المخطوطاتُ النادرة، صفحةً من عطر، وصفحةً من صمت، وصفحةً من نارٍ بيضاء. وكلما ظننتَ أنك بلغتَ آخرَ الورق، فتحتْ لكَ امرأةٌ هامشاً جديداً.
ففي آخرِ كلِّ فنجانٍ امرأةٌ لم تُروَ بعد، وفي أوَّلِ كلِّ امرأةٍ حكايةٌ تبحثُ عن فنجانها.
فإذا مضت المرأة، لا تأخذُ معها شيئاً بل تتركُ نسخةً منها في الرائحة، ونسخةً في الذاكرة، ونسخةً لا يعثرُ عليها إلا القلبُ كلما ظنَّ أنه طواها في ظلال النسيان.
°النساءُ كفناجينِ قهوةٍ وشاي.
من مجموعة/نسخ تشبهنا.
