الطب التكميلي، حين يلتقي بالبيّنة البحثيّة

لم تكن المشكلة يوماً في أن يلجأ الناس إلى الطب التقليدي والتكميلي؛ فذلك واقع قديم ومتجدد، تحمله الذاكرة الثقافية وتغذيه التجربة الشخصية وتدفع إليه أحيانًا فجوات الوصول أو الرغبة في رعاية أكثر قربًا وإنسانية. ولكنها بدأتحين تحول هذا الواقع إلى مساحة رمادية: ممارسة بلا تنظيم، وادعاء بلا دليل، ومنتج بلا رقابة، ومريض يظن أنه يختار، بينما هو في الحقيقة يتحرك بين الثقة والخوف والتسويق.

من منظور السياسات الصحية، لم يعد السؤال الجاد: هل نقبل الطب التقليدي والتكميلي أم نرفضه؟ بل: كيف ندمجه في النظم الصحية دون أن نفرط بالعلم، ودون أن نستهين بالثقافة، ودون أن نعرّض سلامة المرضى للخطر؟ هذه هي المساحة التي تقف فيها اليوم منظمة الصحة العالمية وهي تدفع باتجاه تكامل قائم على الأدلة العلمية المثبتة، وليس على المشاعر أو التقاليد غير المدعومة بالبحث، وعلى الحوكمة لا على الفوضى.

الطب التقليدي والتكميلي ليس كتلة واحدة. فيه ممارسات قابلة للدراسة والتقييم، ومنتجات تحتاج إلى تحليل وضبط جودة، ومقاربات قد تفيد في الوقاية، والدعم النفسي، وتحسين نمط الحياة، وإدارة بعض الأعراض المزمنة. وفيه أيضًا ممارسات غير مثبتة، أو مبالغ في تسويقها، أو قد تتداخل مع أدوية حديثة وتؤخر علاجًا حاسمًا. لذلك فإن إدماجه في النظام الصحي لا يعني منحه صك براءة جماعيًا، بل إخضاعه للسؤال نفسه الذي يُطرح على أي تدخل صحي: هل هو آمن؟ هل هو فعّال؟ لمن يصلح؟ ومتى يجب منعه أو إيقافه؟

المدخل الصحيح يبدأ من البحث العلمي. لكن البحث هنا يجب أن يكون ذكيًا لا جامدًا؛ فبعض الممارسات التقليدية ذات طبيعة شمولية وفردية، وقد لا تكفي معها أدوات التقييم الكلاسيكية وحدها. المطلوب ليس تخفيف المعايير، بل توسيع أدوات المعرفة: تجارب سريرية متقنة عندما تكون ممكنة، دراسات واقعية، تتبع للآثار الجانبية، تقييم لجودة الحياة، وتحليل للتفاعلات بين الأعشاب والأدوية. العلم لا يرفض التراث لأنه تراث، بل يرفض الادعاء عندما يسبق البرهان.

ثم تأتي الحوكمة. لا يجوز أن يدخل الطب التكميلي إلى المؤسسات الصحية عبر اللافتات التجارية أو ضغط السوق أو شهرة الممارس. دخوله يجب أن يمر عبر سياسات واضحة: ترخيص للممارسين، تعريف لنطاق الممارسة، معايير للمنتجات، نظام للإبلاغ عن الحوادث والآثار الضارة، وضوابط للإعلان الصحي حتى لا يتحول الأمل إلى استغلال. وفي بيئات الرعاية الحرجة، كأقسام الطوارئ، تصبح هذه الضوابط أكثر أهمية؛ لأن تأخير العلاج المبني على الدليل قد لا يكون خطأ إداريًا فقط، بل خطرًا مباشرًا على حياة المريض.

أما التكامل الحقيقي فلا يعني أن يعمل الطب الحديث والتكميلي في مسارين متوازيين لا يتحدثان. التكامل يعني إحالة آمنة، وسجلًا صحيًا واضحًا، وموافقة مستنيرة، وتواصلًا صريحًا بين المريض والفريق الصحي حول ما يستخدمه من أعشاب أو علاجات أو ممارسات. كثير من المرضى لا يبوحون باستخدامهم للطب التكميلي خشية السخرية أو الرفض؛ وهنا تفشل المؤسسة مرتين: تفشل في العلم حين لا تعرف ما يتناوله المريض، وتفشل في تجربة المريض حين لا تمنحه مساحة آمنة للحوار.

في المقابل، ينبغي ألا تتحول الصرامة العلمية إلى تعالٍ ثقافي. فالمعارف التقليدية جزء من تاريخ المجتمعات وذاكرتها، وبعضها أسهم في مسارات دوائية وعلاجية مهمة. لكن احترام الثقافة لا يعني تعليق قواعد السلامة، كما أن حماية المعارف التقليدية لا تعني تحويلها إلى سلعة بلا حقوق. من هنا تبرز أهمية حماية الملكية الفكرية، والإنصاف في تقاسم المنافع، وإشراك المجتمعات في أي بحث أو تطوير يقوم على معارفها.

الرسالة الأعمق أن النظم الصحية الرشيدة لا تتعامل مع الطب التقليدي والتكميلي بعقلية المنع المطلق ولا القبول الساذج. إنها تبني جسرًا: من جهة، تحترم اختيار الناس وثقافتهم وتجربتهم؛ ومن جهة أخرى، لا تسمح لأي ممارسة أن تتجاوز بوابة الدليل والسلامة والجودة. وما يثبت نفعه يصبح جزءًا من الرعاية، وما يبقى ادعاءً يجب أن يبقى خارج الخدمة العامة.

في النهاية، الطب ليس ساحة صراع بين القديم والحديث، بل مسؤولية أخلاقية تجاه الإنسان وصحته. وحين يلتقي التراث بالبيّنة، يمكن أن ينتج نموذج صحي أكثر إنسانية واتساعًا. أما حين ينفصل التراث عن العلم، أو ينفصل العلم عن الناس، فإن الخاسر الأول ليس النظام الصحي وحده، بل المريض الذي جاء يبحث عن الشفاء، فاستحق أن يجد الحقيقة المثبته بالعلوم قبل الوعودالتسويقية بالعلاج.

 

mestarihihashem@gmail.com