لحظة الحقيقة القاسية

هناك لحظات لا يعود فيها ممكنا الهروب من قسوة الحقيقة. لحظات ينكشف فيها كل شيء دفعة واحدة: حدود القوة، كلفة الأوهام، وطأة التحولات، عجز الشعارات، وعمق الخسارة التي تأجل الاعتراف بها طويلا. وما جرى في جولة الأمس ينتمي إلى هذه اللحظة بالذات.

إذن، حزب الله لم يوافق على ما اتفق عليه في الأمس، وهذا كان أمرا متوقعا بالنظر الى كل ما جرى في السنوات الثلاث الماضية. كذللك، الطرح المقدم ليس فقط قاس جدا، بل هو في جوهره اتفاق مذل لا يحتمل التجميل. لكنه ليس قسوة نزلت من فراغ، ولا إذلالا منفصلا عن سياق طويل من الانحدار في موازين القوى، ولا هو خيار بين خيارات متاحة نختار أصلها او اقلها سوءا. هو امتداد، بصورة أشد وضوحا، لما كان عليه اتفاق 2024، ولما حكم الأشهر الخمسة عشر الماضية، ولما تراكم منذ 2 آذار حتى اليوم. في كل مرة جرى تأجيل الحقيقة، عادت إلينا بشروط أصعب، وأرض أوسع تحت الاحتلال، ودمار أكبر، وموقع تفاوضي أضعف.

رفض الاتفاق لا يلغي الواقع الذي أنتجه. لا يغير ميزان القوى، ولا يمحو النتائج الميدانية، ولا يحول الخسارة إلى نصر بمجرد رفع السقف أو شد العصب أو استعادة لغة التحدي. هذا الطرح، كما وقف إطلاق النار قبله، ليس سوى الترجمة السياسية لما قالته الحرب في الميدان، أحببنا ذلك أم رفضناه.

والصعوبة الاساسية ليس في إقناع حزب الله، على صعوبة ذلك، بل تمتد إلى إقناع إسرائيل نفسها. فالعدو يرى في استمرار الضغط والحرب والتدمير والاقتلاع مصلحة استراتيجية مباشرة. يريد أن يحول الخسارة اللبنانية إلى واقع سياسي وأمني طويل الأمد، وأن يجعل كل تأخير مناسبة لتوسيع شروطه وفرض وقائع جديدة على الأرض.

إسرائيل هي العدو الذي دمر وقتل وهجر واحتل، وهي صاحبة فائض الجريمة والعنف المتوحش. المسؤولية عن الجريمة تبقى على العدو، ولا يجوز أن يضيع ذلك في أي نقاش داخلي حول الحسابات والمسؤوليات. لكن تثبيت هذه الحقيقة لا يعني إلغاء السؤال الداخلي عن الطريق الذي قادنا إلى هذه النكبة.

يستطيع حزب الله أن يستمر في إنكاره، وأن يحاول تحميل الدولة والسلطة، التي يستدعيها عند الحاجة ثم يخونها ويحاربها بقسوة عند الاختلاف، مسؤولية اتفاق لم تصنع هي شروطه. يستطيع أن يواصل صناعة العدو الداخلي، وأن يفتش عمن يعلق عليه نتائج الحرب التي دخلها وقبل بمنطقها وراكم خياراتها. غير أن ذلك لا يلغي أن حزب الله، بخياراته ومقاربته وقراره بربط لبنان بحرب لا يملك وحده كلفتها ولا نتائجها، يتحمل المسؤولية الداخلية الأولى.

ليس هنالك من منتصر بيننا اليوم ولن يكون، بل خسارات نتقاسمها ونحن منقسمين فيما بيننا اكثر من اي وقت مضى. الخسارة هنا ليست خسارة حزب أو فريق وحده او منطقة او جماعة. إنها خسارة بلد بأكمله: في الأرض، والبيوت، والقرى، والعمران، والنزوح، والإعمار، والاقتصاد، وصورة الدولة. لكن الأخطر من ذلك هو اليوم التالي للحرب حين ينكشف التفكك الاجتماعي الذي تركه الحرب خلفها: جبال عاملة الثكلى، تعب الناس، وانهيار الثقة، وتصدع روابط العيش، وتحول الخوف والغضب والخذلان إلى مادة يومية في حياة الناس. هنا تحديدا يجب أن تتوجه السياسة: لا إلى تبرير الخسارة أو إنكارها، بل إلى منع تحولها إلى انقسام وانهيار اجتماعي أعمق.

ربما آن الاوان أن نتعامل جميعا مع الواقع بطريقة مختلفة في مسعى لانقاذ ما يمكن انقاذه. ان نتمسك بالانسحاب والعودة واعادة الاعمار كأولويات غير قابلة للتنازل او للتفاوض او للمقايضة مهما بلغت صعوبة ذلك. لا ادري ان كنا قادرين على ذلك لكن لا مجال للمقايضة وعلى الجميع التكيف مع هذه الاولويات: من يفاوض ومن يقاتل. نحن نختلف حتما في تفسير ما جرى، وفي تحديد المسؤوليات، وفي قراءة الخيارات التي أوصلتنا إلى هنا. لكن هل يمكن أن نتفق، أخيرا، على كيفية الخروج؟ الخروج لن يكون سهلا، ولن يكون مشرفا كما كنا نتمنى، ولن يكون بلا كلفة باهظة. لكنه سيبقى أقل كلفة من انتظار معجزة ميدانية لا تظهر ملامحها.

هذه هي لحظة الحقيقة القاسية، تلك التي تأجلت طويلا حتى صارت أكثر إيلاما. الاعتراف بالخسارة ليس استسلاما، بل قد يكون بداية للخروج الصعب من التيه. أما إنكارها، فلن يصنع نصرا، ولن يحمي كرامة، ولن يستعيد أرضا، ولن يعيد جنوبيا الى داره، بل سيدفعنا، مرة جديدة، إلى واقع أشد قسوة.