في لحظات الصباح الباكر وقبل أن نبدأ يومنا او تستعيد الذاكرة ما حدث في اليوم الماضي ، تبحث اليد عن الهاتف بحركة لاشعورية ، لنجدة مزدحما بالإشعارات التي تراكمت بينما كنا نائمين ، هذا ليس وصفاً مبالغاً فيه، بل هو واقع تؤكده احصائيات لأكثر من ثمانين بالمئة من الناس يتفقدون هواتفهم في أول عشر دقائق من استيقاظهم.
وما بين فتح رسائل الواتساب، والمرور السريع على الأخبار، وتطبيقات التواصل الاجتماعي، تبدأ رحلة لا تنتهي إلا عندما نضع الهاتف جانباً في المساء، قبل النوم ، وبالتالي نجد ان الخوارزميات تعلم عنا الكثير فهي تتجسس علينا بدون ان تسمعنا، ربما يعتقد البعض ان بعضا من هذه التطبيقات تتجسس علينا لكن الأمر أعقد وأخطر من ذلك ، فالخوارزميات لا تحتاج إلى الاستماع لنا كي تعرف ما يدور في اذهاننا لأنها تكتفي بأن تراقب أثرنا الرقمية من خلال الموقع ووجهات الاتصال ، وتتبع الفيديوهات والمنشورات التي نتوقف عندها ، والسرعة التي نمرر بها محتوى لا يعنينا، والكلمات المفتاحية التي بحثنا عنها من خلال المتصفح ، حتى الوقت الذي نقضيه في المتابعة دون ان ننقر على أي شيء ، وفي النهاية يتم تسجيل كل بحث ويتم دمجه في قواعد بيانات ضخمة والتي تسمي بالخوارزميات، ومن خلال تحليل تلك البيانات يتم عمل النسخة الرقمية للشخص او ما يسمي بالقرين الرقمي من خلال توقعات دقيقة تستند إلى نمط سلوكي تاريخي قائم علي اهتماماتك ومن هنا يستطيع الهاتف ان يقرأ سلوكنا بدقة تفوق ما نقرأ ونعرف به أنفسنا.هذه الآلية تتم بشكل متعمد قائم علي ما يعرف باقتصاد الانتباه وهو نموذج عمل يعتمد على فرضية واحدة بسيطة وهي انتباه المستخدم، ومن هنا تتحول بياناتك الي سلعة وخصوصيتك إلى أداة سياسية واقتصادية ، ومنها تتحول إلى عائد مادي مباشر عبر الإعلانات والبيانات.
وما بين الاهتمامات الشخصية والخصوصية يظهر عمل الهندسة التنبؤية الدقيقة، ويتم تفعيل دور القرين الرقمي الذي يسبقنا دائماً بخطوة فهو حاضرا دوما بعيون يقظة ، يعلم عنا اهتماماتنا الظاهرة والخفية، ومدي تفاعلاتنا عبر برامج السوشيال ميديا وسلوكنا الشرائي، ومزاجنا المحتمل في ساعات معينة من اليوم، والأماكن التي نتردد عليها بانتظام ، ليعرف عنا كل ما هو جديد بل انه قادرا علي تشكيل نفسه لحظة بلحظة طبقا للمتغيرات التي يرصدها من خلال افعالنا، فيعدل من نفسه ليحفظ عنا نسخة محدثة باستمرار، تتغير مع كل قرار نتخذه، لتتذكر أكثر مما تستطيع ذاكرتنا الخاصة أن تتذكره عن نفسها . كل ما سبق يعرف من خلال ثلاث اتجاهات هي تعدد مصادر البيانات واكتشاف أنماط السلوك البشري ، وأخيرا التشابك الاجتماعي وتحليل شبكة معارفنا الاجتماعية ومن هنا نشعر وكأن الهاتف معنا ويسمعنا ، ومن هنا يفرض السؤال نفسه وبقوة ، كيف نحمي أنفسنا؟ من خلال خطوات عملية وتقنية وقانونية فعالة ، فعلى المستوى التقني الشخصي ، يجب ان يتم مراجعة أذونات التطبيقات بانتظام ومنع اوتحجيم وصولها إلى الميكروفون والموقع دون ضرورة او استخدام، مع تفعيل إعدادات الخصوصية المتقدمة في أنظمة التشغيل والمتصفحات، ولاسيما فيما يتعلق بخيارات حظر التتبع ومنع ملفات تعريف الارتباط للمواقع ، كذلك يمكن ضبط تفضيلات الإعلانات في حسابات جوجل وفيسبوك، وتقليل التتبع بشكل صريح ومباشر، مع تفضيل متصفحات ومحركات بحث تركز على حماية الخصوصية كنقطة انطلاق أساسية، إضافة إلى استخدام شبكات افتراضية خاصة موثوقة عند الحاجة، وتنظيف سجلات البحث والتاريخ بشكل دوري ومنتظم.
القرين الرقمي
اما حدود المستوي الثقافي والجمعي هناك ضرورة لزيادة الوعي الرقمي مع ضرورة التوعية بكيفية عمل خوارزميات وأثرها على الإدراك السياسي والاجتماعي، والمشاركة الفاعلة في الحوارات العامة حول أخلاقيات الذكاء الاصطناعي لأن القرار هنا يخص المجتمع الرقمي الذي نعيش فيه جميعاً. أما على المستوى الأوسع، فالمطلوب مطالبة الشركات بالشفافية الكاملة حول طريقة استخدام بياناتنا، مع تفعيل دور مؤسسات مستقلة تراقب استخدامات البيانات وتفرض معايير إنصاف وشفافية ،مع تفعيل تشريعات صارمة تنظم جمع البيانات وبيعها، حتي لا يتم ترك الأمر كله للشركات ذاتها لتدير الامر وفق مصالحها الاقتصادية. ان الخطر الحقيقي لا يكمن في عدسة كاميرا أو ميكروفون مفتوح فقط بل في القرين الرقمي الذي تبنيه الخوارزميات عنا يوما بعد يوم. ولذلك، فإن المواجهة الحقيقية لهذا التحدي هي مواجهة مدنية وأخلاقية تستهدف الحق في الخصوصية، والشفافية في التعامل مع بياناتنا، وحرية التفكير دون توجيه خفي محسوب ، حتي يتم التوجيه نحو الصورة التي يريدونها لنا، لا على صورتنا الحقيقية التي نريدها لأنفسنا.
