تتصاعد المنافسة بين الولايات المتحدة والصين بوتيرة تعيد رسم ملامح الاقتصاد العالمي، بعدما تحولت التجارة من أداة للتبادل والمصالح المشتركة إلى ساحة صراع مفتوح على النفوذ والتكنولوجيا والموارد الاستراتيجية. فالعلاقة بين أكبر اقتصادين في العالم لم تعد محكومة فقط بحسابات الاستيراد والتصدير، بل باتت ترتبط بإعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية، والتحكم بالتقنيات الحساسة، وتأمين الموارد التي ستقود الصناعات المستقبلية. وعشية زيارة دونالد ترامب إلى الصين، تبدو الحرب التجارية بين واشنطن وبكين وكأنها تدخل مرحلة أكثر تعقيدا، تتداخل فيها الرسوم الجمركية مع الحسابات الجيوسياسية، وتتحول فيها المعادن النادرة والرقائق الإلكترونية والممرات التجارية إلى أدوات ضغط لا تقل أهمية عن القوة العسكرية التقليدية.
خلال عام 2025، أدت الرسوم الجمركية الأميركية المتصاعدة، التي بلغت لفترة وجيزة 125 في المئة قبل تخفيضها لاحقا، إلى تراجع واضح في الصادرات الصينية إلى الولايات المتحدة. وانخفض حجم التجارة الثنائية بين البلدين بنسبة 28,7 في المئة على أساس سنوي ليصل إلى 415 مليار دولار، بينما سجل شهر أبريل/نيسان وحده انخفاضا إضافيا بنسبة 20,2 في المئة مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق. هذه المؤشرات تكشف أن التوتر التجاري لم يعد مجرد أزمة عابرة، بل تحول إلى مسار طويل الأمد يدفع الشركات العالمية إلى إعادة توزيع مراكز التصنيع وتقليل الاعتماد على الصين في القطاعات الحساسة.
ورغم الضغوط الأميركية، أظهرت الصين قدرة كبيرة على امتصاص الصدمة التجارية وإعادة توجيه صادراتها نحو أسواق بديلة، مستفيدة من توسع حضورها الاقتصادي في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية. فقد بلغ الفائض التجاري الصيني نحو 1,2 تريليون دولار بنهاية عام 2025، فيما نمت صادراتها الإجمالية بنسبة 5,5 في المئة على أساس سنوي. كما ارتفعت الصادرات الصينية إلى دول رابطة “آسيان” بنسبة 13,4 في المئة، وقفزت الشحنات إلى أفريقيا بنسبة 25,8 في المئة، في دلالة على نجاح بكين في بناء شبكات تجارية بديلة تقلل من تأثير القيود الأميركية.
في المقابل، استمرت الولايات المتحدة في تسجيل عجز تجاري ضخم في تجارة السلع بلغ 1,23 تريليون دولار خلال العام نفسه، وهو ما يعكس استمرار الاختلال البنيوي في العلاقة الاقتصادية مع الصين رغم السياسات الحمائية والقيود الجمركية. كما تتزايد داخل واشنطن الشكوك بشأن استخدام بعض الشركات الصينية لعمليات “إعادة الشحن” عبر دول ثالثة، بهدف الالتفاف على الرسوم الأميركية وإعادة تصدير المنتجات الصينية إلى السوق الأميركية بطرق غير مباشرة.
المشهد الحالي يشير إلى أن الحرب التجارية تجاوزت حدود الاقتصاد التقليدي، لتصبح جزءا من معركة أوسع على النفوذ العالمي والتفوق التكنولوجي. فالمعادن الأرضية النادرة، التي تهيمن الصين على جزء كبير من إنتاجها ومعالجتها، تحولت إلى واحدة من أبرز أدوات الضغط في المفاوضات التجارية مع واشنطن، نظرا لأهميتها الحيوية في الصناعات الدفاعية والإلكترونية والسيارات الكهربائية وأشباه الموصلات وتقنيات الذكاء الاصطناعي.
هذا التحول يعكس طبيعة المرحلة الجديدة من الصراع الأميركي الصيني، حيث لم تعد الهيمنة تقاس فقط بحجم الاقتصاد أو القوة العسكرية، بل بامتلاك القدرة على التحكم بسلاسل الإمداد والموارد الاستراتيجية والبنية التكنولوجية العالمية. لذلك، تبدو المواجهة بين واشنطن وبكين أقرب إلى عملية إعادة تشكيل للنظام الاقتصادي الدولي، تتنافس فيها القوتان على تحديد قواعد التجارة والتكنولوجيا والنفوذ خلال العقود ال
