في مجتمعاتٍ تعيش على إيقاع انقساماتٍ متجذّرة، يبرز سؤالٌ ضروري لا بهدف الاتهام، بل بدافع الفهم. ما الدور الذي أدّته التربية عبر الأجيال في تشكيل وعينا الجماعي؟ وهل استطاع التعليم أن يرسّخ قيم المواطنة، أم أنّه لا يزال يواجه تحدياتٍ تتجاوز قدرته منفرداً؟
لا يمكن النظر إلى هذه المسألة ببساطة أو اختزال. فالتعليم لم يكن يوماً مجرّد عملية نقلٍ للمعرفة، بل هو أحد أهمّ الفضاءات التي تتكوّن فيها القيم، ويتشكّل من خلالها الوعي، ويتعزّز فيها الشعور بالانتماء. ومع ذلك، فإنّ النتائج التي نراها اليوم في مجتمعاتنا تشير إلى فجوةٍ تحتاج إلى قراءة هادئة ومسؤولة، لا إلى أحكامٍ قاطعة.
في العديد من الأنظمة التعليمية، ومنها لبنان، تتضمّن المناهج مفاهيم أساسية كالمواطنة، والعيش المشترك، وقبول الآخر. غير أنّ التحدّي لا يكمن في حضور هذه المفاهيم، بل في كيفية تجسيدها في الحياة اليومية للمتعلّم. فعندما تبقى المواطنة إطاراً نظرياً، منفصلاً عن التجربة الحياتية، يصعب عليها أن تتحوّل إلى سلوكٍ راسخ أو قناعةٍ داخلية.
ومن الطبيعي أن يتأثّر الطالب بما يعيشه خارج أسوار المدرسة بقدر ما يتأثّر بما يتعلّمه داخلها. فعندما يتعرّض لخطاباتٍ متناقضة في المجتمع، أو يشهد انقساماتٍ حادّة في الإعلام والسياسة، يصبح أمام واقعٍ معقّد، تتداخل فيه الرسائل وتتنافس فيه المرجعيات. في مثل هذه الحالات، لا تتراجع قيمة المدرسة، بل تتعاظم الحاجة إلى دورها كمساحة توازن وبناء وعي نقدي.
وهنا يبرز دور ما يُعرف بـ”التربية الخفية”، أيّ تلك القيم التي تنتقل إلى الطلاب من خلال الممارسات اليومية داخل المدرسة من خلال طريقة التعامل، وفي مستوى العدالة، وفي إدارة الاختلاف. فهذه التفاصيل الصغيرة، التي قد لا تُدرّس بشكل مباشر، تترك أثراً عميقاً في تشكيل نظرة الطالب إلى الآخر وإلى المجتمع.
كما أنّ تنمية التفكير النقدي تبقى من أبرز التحديات والفرص في آنٍ معاً. فالطالب الذي يمتلك القدرة على التحليل، وعلى طرح الأسئلة، وعلى فهم تعددية الآراء، يكون أكثر استعداداً لتجاوز الصور النمطية، وأكثر قدرة على بناء موقفٍ واعٍ ومتوازن.
ومع ذلك، من المهمّ التأكيد أنّ التعليم لا يعمل في فراغ. فالعائلة، والإعلام، والخطاب العام، جميعها تشارك في صياغة الوعي الجمعي. وهذا لا يقلّل من أهمية المدرسة، بل يضعها في موقعٍ محوري يتطلّب دعماً وتكاملاً مع باقي مكوّنات المجتمع.
من هنا، لا يمكن القول إنّ التعليم أخفق بقدر ما يمكن القول إنّه يواجه تحدّياً مركّباً، يتطلب إعادة نظر في الأدوار والأساليب. فالتعليم نجح إلى حدّ كبير في نقل المعرفة، لكنه اليوم مدعوّ لتعزيز بعدٍ لا يقلّ أهمية عن بناء الإنسان القادر على العيش مع الآخر، لا إلى جانبه فقط.
إنّ الإصلاح التربوي في هذا السياق لا يبدأ من تغيير النصوص فحسب، بل من إعادة الاعتبار للممارسة التربوية بكلّ أبعادها من دور المعلّم، إلى بيئة المدرسة، إلى طبيعة الأنشطة، وصولاً إلى كيفية إدارة الاختلاف وتحويله إلى فرصة للتعلّم لا سبباً للانقسام.
كما يتطلّب ذلك تعزيز التربية النقدية، وتدريب المعلمين على التعامل مع التنوع، والعمل على تقديم سردياتٍ جامعة تعزّز الذاكرة المشتركة، بدل أن تكرّس مساحات التباعد.
ورغم صعوبة الواقع، يبقى الأمل قائماً. فكلّ جيل جديد يحمل إمكانية التغيير، وكلّ تجربة تربوية ناجحة، مهما كانت صغيرة، قادرة على إحداث فرق. والتعليم، بما يمتلكه من حضورٍ وتأثير، لا يزال أحد أهمّ المفاتيح لبناء مجتمعٍ أكثر تماسكاً وإنسانية.
في النهاية، لسنا أمام أزمةٍ مغلقة، بل أمام فرصةٍ لإعادة التفكير، ولصياغة دورٍ تربوي أكثر عمقاً وارتباطاً بالحياة. فالمواطنة لا تُلقَّن، بل تُعاش، ولا تُفرض، بل تُبنى تدريجياً في بيئةٍ تؤمن بالإنسان قبل أيّ انتماءٍ آخر.
فأيّ مستقبلٍ يمكن أن نرسمه، إذا جعلنا من مدارسنا مساحاتٍ يتعلّم فيها أبناؤنا ليس فقط كيف ينجحون، بل كيف يفهمون بعضهم البعض، وكيف يبنون معاً وطناً يتّسع للجميع…
