تُشكل أولويات الاطراف المعنية بالصراع في الشرق الاوسط الأساس الذي يجب ان يقوم عليه اي تحليل استشرافي لما ستؤول له معطيات الواقع، وتحديد الاولوية يعني العمل على تكييف اية خطوات او معطيات بالشكل الذي يخدم ويحقق الضمان لانجاز تلك الاولوية، اي ان الاولوية هي القيمة العليا التي يتم تخطيط الطرف المعني على اساسها، وعند النظر في اولويات الاطراف ذات الصلة الواضحة بالصراع نجد ما يلي:
1- الطرف الاسرائيلي: اولويته هي الأمن للدولة أولا والمجتمع ثانيا ، ذلك يعني ان الطرف الاسرائيلي عندما يتم تقديم اية خطة له ،فان هاجسه الاول والمركزي هو: ما التأثير السلبي والايجابي لهذه الخطة على الامن الاسرائيلي، ولا يعني ذلك عدم الاهتمام بالجوانب الأخرى، ولكنه يعني ان الطرف الاسرائيلي يمكن ان يتنازل في اي موضوع بشرط ان لا يكون ذلك الموضوع فيه مساس باولوياته الامنية ولو في الحد الادنى ، وهذه الاولوية الامنية ليست رهينة الواقع القائم ، بل ان استشراف تداعياتها المستقبلية على الامن الاسرائيلي تبقى حاضرة في التفاوض الاسرائيلي .وتتمثل ابرز مكونات الامن الاسرائيلي في ثلاثة جوانب:
أ- أمن الدولة: اي ضمان عدم المساس بجغرافية الدولة، والعمل على بناء سور أمني حول هذه الجغرافيا (بالمناطق العازلة، وبدحر القوى المعادية الى ابعد مسافة ممكنة او تصفيتها ، وبحشد الاسناد الدولي لضمان هذه الجغرافيا…الخ، وضمان قوة عضلية متكاملة لردع الطرف الآخر الذي يمكن ان يهدد امن الدولة ).
ب- امن المجتمع الاسرائيلي: وهنا لا بد من التمييز بين الامن الحياتي(التعليم والدخل والصحة والامن الاجتماعي …الخ) وبين الامن السياسي المرتبط بأمن الدولة ، ويتمثل ذلك في الامن الديموغرافي ، فالجغرافيا السكانية تشير الى ان عدد الفلسطينيين في فلسطين التاريخية يفوق عدد اليهود ولو بنسبة بسيطة، لكن نسبة الزيادة السكانية بين الفلسطينيين اعلى منها بين اليهود، وهو ما يعني التحول الى دولة ثنائية القومية، وهو تهديد استراتيجي للدولة والمجتمع ، لذا يجب ربط امن الدولة الجغرافي بامن المجتمع السكاني، من خلال تهجير اكبر قدر ممكن من فلسطينيي الضفة الغربية وغزة والجليل الى الجوار القريب او البعيد ، وكل تخطيط اسرائيلي تتوارى هذه الفكرة خلفه ،لكنها هي التي تحدد السلوك الاسرائيلي، وليس مهما من المنظور الامني الاسرائيلي ان يتم بناء الامن الديموغرافي الاسرائيلي على حساب الآخرين استنادا للقوة العضلية.
ت- امن النظام: اي احتفاظ الحزب او الرئيس بكرسي السلطة الى اطول فترة ممكنة، لكن هذا يجب ان يتم عبر تحقيق امن الدولة وامن المجتمع، اي ان معيار بقاء الحزب الحاكم هو مدى قدرته في ضمان امن الدولة اولا وامن المجتمع ثانيا، ويكفي ان نشير الى ان حزب العمل(الماباي –المعراخ..الخ) بقي في السلطة هو المتغير المركزي في تحديد سياساتها ، لكن هزيمة 1973 أزاحته عن السلطة وبهدوء وتحول الى حزب هامشي لانه فشل في ضمان امن الدولة والمجتمع (من منظور المجتمع والنخبة الاسرائيلية).
2- الطرف العربي: هنا نجد صورة معاكسة تماما، حيث يعلو امن النظام (الحفاظ على الكرسي) على امن الدولة وامن المجتمع، لذا فان علاقات اي نظام سياسي عربي مع القوى السياسية الداخلية او الاقليمية او الدولية مبني على اساس درجة القدرة لهذه القوى على المساعدة للبقاء في كرسي السلطة، فالحاكم العربي لا يتوانى عن التضحية بامن الدولة والمجتمع لحساب امن النظام، ففي كل التحولات السياسية في الدول العربية كانت الدولة تتمزق جغرافيا(السودان واليمن والعراق وسوريا وليبيا…الخ) ويتمزق المجتمع (تزايد عدم الاستقرار السياسي وتراجع الدخل والتعليم والصحة والامن الاجتماعي وزيادة نسب الطلاق والفقر وارتفاع معدلات الديون الداخلية والخارجية) لان أمن النظام علا على كل امن آخر، وينحصر امن النظام في ” شخص” الحاكم، وهو ما يعني ان مواجهة القوى الخارجية سواء اسرائيل او غيرها يكون على اساس طرح النظام التصور التالي على نفسه: تكون تحالفاتي الداخلية والاقليمية والدولية طبقا لمن يضمن لي أمن نظامي السياسي حتى لو كان ذلك على حساب امن الدولة والمجتمع.
3- الطرف الامريكي: هنا نجد ان امن المجتمع (المكاسب الاقتصادية من سوق واستثمارات وايداع احتياطيات …الخ) هو الاساس ، فامريكا ليس هناك اي صلة لها بالجغرافيا الطبيعية الشرق اوسطية بل صلتها تنحصر في الجيواسراتيجية وتكييف نتائج الجغرافيا السياسية للوصول الى ذلك، وحيث ان هذا الأمن لن يتم ضمانه الا بأنظمة شرق اوسطية تعطي امريكا كل شيء لضمان المطلب الامريكي، وتساعدها في تنافسها مع الآخرين ، تستثمر امريكا اولوية امن النظام لصالحها ،ويستثمر النظام العربي توفير المصالح الامريكية لضمان حرص امريكا على ضمان كرسيه.
4- الطرف الاوروبي: رغم اولوية امن المجتمع في المنظور الاوروبي ،إلا ان امن الدولة يشكل عصبا حساسا في تشكيل امن المجتمع، فالشرق الاوسط هو الجوار القريب والمشاطئ لاوروبا، فالهجرات اليه من الشرق الاوسط وانعكاس الاضطراب الشرق اوسطي على الاقتصاد الاوروبي بقدر كبير، وخلخلة التدفق التجاري بين آسيا وافريقيا مع اوروبا ، فان اوروبا تجمع بين اولوية المجتمع والدولة في تعاطيها مع الشرق الاوسط، ويتم ذلك بقدر اقل من مجاراة اولوية النظام العربي دون اغفاله كليا.
5- الطرف الروسي : هنا تتفق النظرة الاسرائيلية والروسية، فروسيا تدرك تماما ان امن دولتها يعتمد في احد ابعاده الاستراتيجية على الحزام الاوراسي والحزام الشرق اوسطي(او الغرب الآسيوي كما يسميه الروس)، وعليه فروسيا لا تمانع في مجاراة اسرائيل او الأنظمة العربية طبقا لما يحول دون ان تكون المنطقة تهديدا لها ، بخاصة عند ربط المنطقة وايران معا، فروسيا ضحت بالنظام السوري طالما ان قواعدها العسكرية باقية هناك، وسهلت روسيا هجرة مئات الآلاف من اليهود الى فلسطين ليصبحوا الكتلة الاكبر في المجتمع الاسرائيلي، لكنها تحتل المرتبة 36 في حجم المساعدات لوكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين، وهي تدرك ان الرهان على ايران أجدى من الرهان على العرب ، وكل ذلك يعني ان الموقف الروسي مبني على رؤية اية تداعيات في الشرق الاوسط من منظور امني بحت،ولِمَ لا اذا ترافق مع ذلك بعض المكاسب الاخرى.
6- الصين: هنا نجد المنظورالامريكي وبعض الاوروبي يتكرر في النظرة الصينية للمنطقة، فكل سياساتها ومشاريعها الاستراتيجية على اساس أمن المجتمع ولكن من منظور براغماتي، فكما صاغها الرئيس الصيني السابق دينغ هيساو بنغ “ليس مهما لون القط ما دام يصطاد الفئران”، فالصين تعترف منذ 34 سنة باسرائيل ، ولا ترى المنطقة الا من زاويتين هما :مصادر الطاقة والسوق التجاري ، ولكنها تساند احيانا بعض القوى مثل ايران لضمان بترولها ،وتعمل على التقارب الايراني السعودي لبترولهما، وتحاول الموازنة بين التناقضات العربية لضمان مرور حزامها وطريقها، لكن تعاونها التقني مع اسرائيل وتوظيف العلاقة مع اسرائيل للوصول الى اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة وتوظيفها في العلاقة مع الولايات المتحدة لم يعد سرا،فالفرص تحتاج من يوظفها بما يناسبه ،والمثل الصيني يقول” عندما تهب الرياح يبني البعض جدرانا بينما يبني آخرون طواحين هواء”.
وتشير كل الدراسات المستقبلية التي اطلعت عليها منذ نصف قرن الى ان كل الدول التي تعلي امن النظام انتهت الى الفشل، تليها الدول التي تعلي امن الدول، اما التي تجعل من امن المجتمع اولويتها فهي الاطول عمرا..وهو ما يعني ان الخسارة العربية ستتواصل الى ان نصل لتغيير المعادلة.
أملي ان لا تعطي حكما متسرعا، بل راقب المفاوضات القادمة بين ايران والعرب واسرائيل والمنظمات الفلسطينية والدول الكبرى التي اشرت لها، حيث سيكون امن النظام هو هاجس المفاوض العربي، وامن المجتمع هو هاجس الامريكي والصيني واغلب الاوروبي ، بينما امن الدولة سيكون الهاجس الاسرائيلي بالمطلق والهاجس الروسي بقدر كبير ، وسيصطاد الفار الصيني ما يشاء دون النظر الى لونه….فاسئلة اسرائيل ستبقى: ما تاثير ذلك على امن الدولة، كم المدة الزمنية التي سيبقى التأثير على امن الدولة ، من له الادراك الافضل لهذا التأثير فليكن هو المفاوض على امن الدولة ، ترتيب المخاطر الامنية في التفاوض حسب درجة خطورتها على امن الدولة ، ما هي نقاط الضعف في الطرف المقابل لضمان النفاد منها لتعزيز امن الدولة الاسرائيلية… وليس مهما بقاء نيتنياهو او انصرافه الا في حدود هل هذه تخدم امن الدولة ام لا تخدمها …ربما.
