من معضلة التحالف الى هندسة الخوف: تفعيل نظرية غلين سنايدر في إعادة تعريف الردع

في مساء الثامن والعشرين من فبراير عام 2026، كان الشرق الأوسط يقف على حافة مشهد استراتيجي شديد التعقيد؛ صواريخ تُطلق من إيران باتجاه قواعد أمريكية في الخليج، وغارات إسرائيلية تمتد من البحر الى البر، وبيانات غربية متوترة تتحدث عن “الردع الوقائي” وكأن العالم يعود الى زمن الحرب الباردة. في هذه اللحظة، بدا أن الفوضى التي تلفّ الإقليم لا تخرج عن منطق نظري صاغه غلين سنايدر قبل أكثر من نصف قرن، حين قال إن التحالفات ليست ضمانةً للأمن، بل هي هندسة للخوف المشترك. كان سنايدر يدرك أن التحالفات في جوهرها لا تقوم على الثقة بقدر ما تقوم على إدارة الخوف بين طرفين يخشيان شيئا مختلفا: أحدهما يخاف أن يُترك وحيدا، والآخر يخاف أن يُستدرج الى حربٍ ليست حربه.

في الشرق الأوسط لعام 2026، تجلت هذه المعادلة بكل تناقضاتها. فالولايات المتحدة، التي أرادت أن تُثبت لحلفائها أن مظلتها الأمنية ما تزال صلبة، وجدت نفسها أمام معضلة سنايدرية كلاسيكية: كيف تحمي حلفاءها من دون أن تنجرّ الى حرب إقليمية واسعة؟ وإسرائيل، التي طالما خشيت من تراجع الالتزام الأمريكي في ظل الانقسامات الداخلية في واشنطن، قررت أن تفرض على الولايات المتحدة واقعا ميدانيا يجبرها على البقاء في صفها، فاختارت أن تسبق الأحداث عبر ضربات استباقية تُبقي واشنطن رهينة الموقف. أما إيران، فقد وجدت نفسها في معادلة أكثر قسوة، فهي إن امتنعت عن الرد خسرت رصيد الردع الذي يمثل جوهر قوتها الإقليمية، وإن ردّت بشدة خاطرت بالانجرار الى مواجهة شاملة قد تطيح بقدراتها وتفتح الباب لتفكك جبتها الداخلية.

في هذا المشهد الذي يختلط فيه الأمن بالخوف، تظهر التحالفاتكشبكات هشّة من الاعتماد المتبادل، أكثر منها كاتفاقات صلبة قائمة على الالتزامات. دول الخليج، التي تجد نفسها في قلب الحدث، تدرك أن الوجود الأمريكي في أراضيها يمثل في الوقت ذاته مظلة حماية ومصدر خطر، فهي تحتمي بقوة عظمى لكنها تخشى من أن تتحول الى مسرح لصراع لا تملكه. إنها تمارس سياسة الاحتماء المشروط، حيث تبقى تحت المظلة الأمريكية ولكن ضمن حدود تمنعها من الانجرار الى مواجهة مباشرة مع إيران. وهكذا يتكرّس ما أسماه سنايدر “الاعتماد المتبادل غير المتكافئ“، فالقوة الكبرى تسعى للسيطرة دون الالتزام الكامل، والدول الصغيرة تبحث عن الأمان دون التورط، والنتيجة شبكة من التحالفات التي تُدار بالخوف أكثر مما تٌدار بالمصلحة.

لقد أصبح الردع في الشرق الأوسط عام 2026 ردعا شبكيا، قائما على تبادل الإشارات والمخاطر أكثر من تبادل الالتزامات، وصار التحالف نفسه أداة ضغط بقدر ما هو وسيلة حماية. الولايات المتحدة تُوازن بين صورة القيادة ومسؤولية الانضباط، وإسرائيل تخلط بين الردع الوجودي والاندفاع الوقائي، وإيران تبني معادلتها على منطق “الردع بالقدرة على الاحتمال”، فيما يتحرك الخليج بين كل هذه القوى كرقعة اختبار دائمة للتوازنات. في هذا الإطار، لم تعد التحالفات في المنطقة وعداً بالأمان، بل تحولت الى اختبار للبقاء، وأصبحت كل خطوة محسوبة بمقدار الخطر الذي يمكن تحمّله لا بمقدار الأمن الذي يمكن ضمانه.

لقد أثبتت تجربة فبراير 2026 أن معضلة سنايدر ليست مجرد إطار نظري، بل هي قانون حركة للتحالفات في عالم فوضوي متعدد الأقطاب. فالتحالف الأمريكي الإسرائيلي يمثل نموذجا للتحالف الذي يحاول تجنّب التخلي والانجرار في آن واحد، بينما التحالف الإيراني الروسي يعكس صيغة مصلحية غير مؤسسية تحاول موازنة الدعم المتبادل دون التورط المباشر. أما دول الخليج، فتعيش ما يمكن تسميته بسياسة “الحياد القلق”، إذ تدرك أن أمنها مرتبط بالآخرين أكثر مما هو نابع من داخلها، وأن أي خلل في التوازن بين القوى الكبرى قد يحولها من منطقة عبورالى ساحة اشتباك.

وفي خضم هذه التفاعلات، يمكن القول إن الشرق الأوسط اليوم يجسد أكثر من أي وقت مضى نظرية التحالف بوصفها هندسة للخوف المنظّم، إذ لم تعد الحرب هي الاستثناء، بل بات السلم ذاته معادلة ردعية متوترة. ولعل هذا ما قصده سنايدر حين كتب أن التحالفات لا تنتهي بانتهاء الحرب، بل تستمر كأدوات لإدارة احتمالاتها القادمة. ففي عالم بلا مركز، لا تبحث الدول عن الأمان المطلق، بل عن الخطر الذي يمكن تحمّله، وهذا هو منطق الردع الحديث في الشرق الأوسط: أن تبقى قريبا من النار دون أن تحترق، وأن تبقى قادرا على التهديد دون أن تنفجر.

إن ما حدث في فبراير 2026 لم يكن مجرد تصعيد عسكري بين خصوم تقليديين، بل لحظة كشف استراتيجية أظهرت أن الخوف أصبح لغة القوة الجديدة، وأن التحالفات، مهما بدت متماسكة، إنما تقوم على الخشية المتبادلة أكثر من القناعة المشتركة. فالدول لم تعد تبحث عن الانتصار، بل عن كيفية النجاة ضمن منظومة توازن بين الالتزام والانفصال. ومن هنا يمكن القول إن الشرق الأوسط المعاصر يعيد تعريف مفهوم الردع ضمن إطار سنايدريدقيق، حيث التحالفات ليست مظلات تحمي من المطر، بل توازنات تُبقي الجميع تحت غيم واحد من القلق الوجودي. إن التحالف لم يعد وعدا بالطمأنينة، بل معادلة لضبط الخوف، والخوف نفسه صار استراتيجية بقاء. وبين التخلي والانجرار، يستمر الشرق الأوسط في إعادة كتابة نظريات القوة، فيما يقف غلين سنايدر، وإن غاب، شاهدا على أن فكرته القديمة عن التحالفات كانت في الحقيقة نبوءة عن عالم قادم يعيش على هندسة دقيقة للخوف المشترك.