المغرب ومجلس السلام: هل تنقذ “سياسة الممكن” القضية الفلسطينية في زمن ترامب؟

المقولة الشهيرة ”السياسة فن الممكن“، المنسوبة إلى السياسي الألماني أوتو فون بسمارك (1815 – 1898)، والتي تختصر جوهر الواقعية السياسية (Realpolitik)، تعني تدبير الواقع وقيوده، وتبرز أهميتها بشكل أكبر عندما لا تتوفر للسياسي خيارات كثيرة. لعل ما تواجهه اليوم القضية الفلسطينية، وعلى رأسها مستقبل قطاع غزة، يعد مثالا بارزا لتطبيق هذا المفهوم. فوسط العدوان الإسرائيلي الوحشي على سكان غزة الذي أوغل فيهم قتلا وحرقا، حيث لم يميز بين المدنيين والمقاومين، وضع سكان القطاع بين خيارين: التهجير أو الإبادة. ومع الدعم الأمريكي الاستثنائي لإسرائيل، لم تجد فصائل المقاومة، في ظل هذا الاختلال الصارخ في موازين القوى، سوى التعامل بواقعية مع الوضع الجديد. إن قبول وقف إطلاق النار بشروطه المجحفة يعد، في حد ذاته، قرارا واقعيا.

هذه التوطئة ليست مجرد مقدمة، بل تذكير بأمر واقع يفرض نفسه، ومدخل لفهم السياقات الدولية والإقليمية لانخراط المغرب في مجلس السلام.

إن انخراط المغرب في هذا المجلس، تحكمه بالدرجة الأولى محددات النسق الدولي الحالي، وينسجم أيضا مع استراتيجية تحوط (hedging strategy) براغماتية التي بدأ المغرب نهجها منذ ظهور ملامح نظام دولي متعدد الأقطاب وفي ظل بيئة دولية موسومة باللايقين. حيث أن المغرب في الوقت الذي يسعى إلى تنويع شراكاته الاقتصادية، فإنه يحافظ في الوقت ذاته على تحالفاته التقليدية، خاصة مع الولايات المتحدة وأوروبا. وهذه السياسة تتجاوز مبدأ عدم الانحياز كما تم نهجه في ظل الحرب الباردة، الذي له بعد سياسي بالدرجة الأولى يقوم على تجنب الاصطفاف، بينما التحوط هو استراتيجية لإدارة التنافس الدولي بين القوى الدولية الكبرى والاستفادة القصوى من العلاقة معها دون الالتزام الكامل بأي طرف، وذلك للحفاظ على هامش مناورة واسع.

إذا كان المغرب خلال السنوات الأخيرة استفاد من هامش واسع للمناورة، ونجح في توظيفه لتعزيز شراكاته الاقتصادية وتنويعها، وإدارة موقفه السياسي تجاه بعض الاستقطابات الدولية الحادة، مثل الحرب الروسية–الأوكرانية، فإن المرحلة الحالية في ظل إدارة ترامب لا تتيح له سوى هامش ضيق جدا للمناورة. ولا يعود ذلك فقط إلى شخصية ترامب المندفعة وطموحاته السياسية، بل أيضا إلى المكاسب الاستراتيجية الكبرى التي حققها المغرب مع الإدارة الأمريكية الحالية، خصوصا في ما يتعلق بقضية الصحراء، وربما كذلك في أفق شراكة اقتصادية استراتيجية واسعة في الأقاليم الجنوبية.

في ظل هذا السياق الجيوسياسي المركب والمتعدد الأبعاد، يبدو أن عضوية المغرب في هذا المجلس أكثر جدوى وفائدة من بقائه خارجه.

أولا، انخراط المغرب في هذه المبادرة لا يعني اصطفافا استراتيجيا ضد أي طرف، بل يأتي في سياق التوافق بين مسارات السياسة الخارجية المختلفة، ولم يجعل انخراطه في أي مبادرة على حساب القضية الفلسطينية. فعكس بعض الحالات العربية الأخرى، لم يفرض توقيع المغرب على الاتفاق الثلاثي أي التزامات تمس حقوق الفلسطينيين أو تتعارض مع مواقفه تجاه القضية الفلسطينية.

ثانيا، يشكل هذا الانخراط في مجلس السلام فرصة للمغرب لاستعادة موقعه في ديناميات القضية الفلسطينية. فقد كان المغرب حاضرا دوما في مختلف تطورات القضية، إلا أن انخراطه السياسي والدبلوماسي شهد بعض التراجع خلال العقدين والنصف الأخيرين بسبب الوضع العربي العام. ورغم مساهماته المستمرة  والمهمة في آليات لجنة القدس ووكالة بيت مال القدس، إلا أنه لم يكن حاضرا على الصعيد السياسي في هذا الملف كما كان في السابق.

ثالثا، من خلال متابعة بعض التصريحات لسكان غزة، يبدو أن هناك قبولا، بل واستحسانا، للمشاركة المغربية. وحتى الآن، لم تصدر أي تصريحات من قبل الفصائل الفلسطينية ضد هذه المشاركة. ومن شأن ذلك أن يعزز الدور المغربي، ويمكن أن يشكل قناة موثوقة لإيصال الرسائل عند الضرورة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، بما يسهم في تخفيف معاناة الفلسطينيين.

رابعا، في ظل عالم يسوده الكثير من اللايقين ومرشح لتحولات كبيرة غير واضحة المآلات، لا بد للمغرب من تموضع استراتيجي جيد ليكون فاعلا ومؤثرا في هذه التحولات، مستفيدا من الفرص المحتملة.

خامسا، فيما يتعلق بالمصالح الحيوية للمغرب، وعلى رأسها قضية الصحراء، يستلزم ذلك الانخراط إلى جانب حلفائه، لا سيما الذين اعترفوا صراحة بسيادة المغرب على الصحراء ويساندون مسار الحل السلمي وفق مبادرة الحكم الذاتي المغربية.

سادسا، إن دعوة المغرب للانخراط في هذا المجلس تمثل، في حد ذاتها، اعترافا بأهميته والدور الذي يمكن أن يلعبه في المراحل القادمة لتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، وليس مجرد وسيلة لإضفاء المشروعية على المجلس.

ختاما، رغم التحفظات على مجلس السلام، والتي أبداها حتى بعض حلفاء الولايات المتحدة، يظل المجلس فرصة للمغرب يمكنه من خلالها المساهمة في تخفيف معاناة الفلسطينيين، ودعم مشاريع إعادة بناء قطاع غزة، وتعزيز موقعه الاستراتيجي في ظل التحولات العالمية غير الواضحة مآلاتها حتى الآن.

فهل سينجح المغرب، في ظل “لعبة الأمم”، في تحويل “الممكن” إلى فرص حقيقية تخدم القضية الفلسطينية وتعزز مصالحه العليا؟

أستاذ العلاقات الدولية بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس