شهد عام 2024 تصاعدًا غير مسبوق في الكلفة الاقتصادية العالمية للحروب وأعمال العنف، إذ ارتفعت الخسائر إلى نحو 19.1 تريليون دولار، بزيادة قدرها 717 مليار دولار عن العام السابق. هذا الارتفاع لم يكن معزولًا عن السياق الميداني، بل تزامن مع تسجيل أعلى حصيلة للوفيات المرتبطة بالنزاعات منذ ربع قرن، في ظل استمرار الحروب المفتوحة في أوكرانيا وغزة، واتساع دوائر عدم الاستقرار إقليميًا ودوليًا.
هذا المشهد المتوتر أعاد تشكيل أولويات الأمن القومي لدى عدد متزايد من الدول، ولا سيما في أوروبا، حيث اتجهت الحكومات إلى رفع إنفاقها الدفاعي بوتيرة متسارعة. اللافت أن هذا التحول لم يقتصر على الدول المنخرطة مباشرة في الصراعات، بل شمل دولًا كانت تُعد تقليديًا أكثر تحفظًا، مثل اليابان، التي أعلنت نيتها مضاعفة إنفاقها العسكري ليصل إلى 2% من الناتج المحلي الإجمالي، في مؤشر على تحوّل أعمق في العقيدة الأمنية العالمية.
ووفقًا لتحليل صادر عن معهد الاقتصاد والسلام، ارتفع الإنفاق العسكري العالمي بنحو 540 مليار دولار ليبلغ مستوى قياسيًا قدره 9 تريليونات دولار. كما زادت 84 دولة إنفاقها العسكري كنسبة من ناتجها المحلي، مع تسجيل أعلى الزيادات في دول مثل النرويج والدنمارك وبنغلاديش. ورغم هذا الاتساع، ما تزال الولايات المتحدة تتصدر قائمة المنفقين عسكريًا بميزانية بلغت 949 مليار دولار، تليها الصين بإنفاق يقدّر بنحو 450 مليار دولار، ما يعكس استمرار الفجوة البنيوية في ميزان القوة العسكرية العالمية.
في المقابل، لم تقتصر كلفة العنف على الجوانب العسكرية المباشرة. فقد شكّلت نفقات الأمن الداخلي — بما في ذلك أجهزة الشرطة والقضاء — ثاني أكبر بنود الإنفاق المرتبطة بالعنف، بقيمة وصلت إلى 5.7 تريليونات دولار. كما ارتفعت خسائر الناتج المحلي الإجمالي الناتجة عن النزاعات بنسبة 44% لتبلغ 462 مليار دولار، أي أكثر من أربعة أضعاف مستواها في عام 2008. ويضاف إلى ذلك العبء الاقتصادي المتزايد لأزمات اللجوء والنزوح، والذي قُدّر بنحو 343 مليار دولار، في ظل تسجيل رقم قياسي بلغ 122 مليون نازح قسرًا حول العالم، أي أكثر من ضعف العدد المسجل قبل خمسة عشر عامًا.
تعكس هذه الأرقام مجتمعة تحوّل العنف من كونه ظاهرة أمنية محصورة إلى كلفة هيكلية تضغط على الاقتصاد العالمي، وتعيد رسم معادلات التنمية، والإنفاق العام، والاستقرار السياسي في مرحلة تتسم بتآكل اليقين وتصاعد منطق القوة
