يبدو رحيل زياد الرحباني أكبر من الحزن والرثاء، بل كأنه استدعاء ذاكرة بلد بصوت والدته. في لبنان المثقل بالاستقطاب الطائفي والانقسام السياسي، حافظت فيروز بعناد غنائي على الهوية الجامعة للبنانيين بل وحتى العرب الذين يلتفون بأغلبيتهم أمام روعة هذه الظاهرة.
منذ الخمسينيات وحتى اليوم، فيروز نموذجاً فريداً، لم تُخضع فنها لولاء سياسي، ولم تسمح بأن يُختصر صوتها بتيار اجتماعي، بل على العكس اختارت أن تكون الجذر وليس الفروع، الجبيرة وليس الانقسام، الأقرب للناس من كل القادة والسياسيين، فصارت بمثابة العاصمة المعنوية للبنان، نابت حين انهارت بيروت نفسها، وكان الملجأ أغانيها:
“بحبك يا لبنان بحبك يا وطني”
لم تغنِ لأحد، فكان هذا الامتناع عن الانخراط في اللعبة السياسية حضوراً هائلاً، وموقفاً عالي المسؤولية الوطنية، حتى عندما غنت للعراق؛ لم تجامل نظام، بل اختارت أن تتغنى ببغداد:
” بغداد والشعراء والصورذهب الزمان وضوعه العطرُ”
فيروز هي قوة لبنان الناعمة، صورة عظيمة تصدر للعالم، ورسالة داخلية تذكر اللبنانيين ببداعة ما يملكونه من قامات ومبدعين ومثقفين ومفكرين، وزياد بكل تمرده على الطبقة السياسية، لم يستطيع أن ينتزع والدته من مكانها الحيادي، إذ كانت أكثر من مجرد ام، أنها رمز بلاد الارز.
