الإجابة: نعم، لأنها تعتبر ما يجري قضية وجودية.
شكلت أحداث 7 أكتوبر صدمة للإسرائيليين. رغم أن بعض التحليلات ترى أنها ربما كانت “تورطة” مدبّرة، فإن النتائج تجاوزت المتوقع، خصوصًا مع تجاوز عدد الرهائن 200.
تحليل لافت أشار إلى أن قوات الاحتلال كانت تتجاهل تدريبات ح.م.ا.س، ولم تتصور أن تُقدم على تنفيذ عملية بهذا الحجم.
لمن يتابع، تسبق هذه الأحداث اعتداءات عديدة: اقتحام المسجد الأقصى في رمضان 2022 و2023، توسع المستوطنات في الضفة، ومجزرة حي الشيخ جراح 2021.
كل هذه التراكمات عززت قناعة إسرائيلية بوجوب التهجير الكامل للفلسطينيين، ودفن حل الدولتين، وهو ما يجد جذوره في ورقة Clean Break 1996، التي تجددت روحها بعد اتفاقيات أبراهام 2020، والتي منحت إسرائيل “حقنة غرور” إضافية.
2. إسرائيل وأولوياتها: من الردع إلى التطبيع بالقوة
إسرائيل تملك القوة النووية، لكنها تعتبر الأولوية الأهم اليوم تطبيع وجودها في الشرق الأوسط.
الدول الرافضة للتطبيع سيتم تغيير أنظمتها، خصوصًا الهشة منها، عبر إثارة الداخل.
هدف إسرائيل أن تُعامَل كـ “دولة طبيعية” في المنطقة، تُنسى جراح الماضي، وتُروّج سردية “أولاد العم” من نسل إسحاق وإسماعيل، ضمن مشروع “الديانة الإبراهيمية”، ومركزها زقورة أور في العراق، لردم “خطاب الكراهية”.
نعود هنا إلى ورقة Clean Break 1996، التي تعني “الانفصال النظيف”، أي التخلي عن تركة التسويات مثل أوسلو، وتبنّي سياسة القوة بدلاً من المفاوضات.
الورقة قُدمت لنتنياهو حين أصبح رئيسًا عام 1996، في لحظة ما بعد اغتيال رابين، آخر رموز اليسار الصهيوني، الذي كان يؤمن بـ”الأرض مقابل السلام”.
من صاغ الورقة لاحقًا لعب دورًا مؤثرًا في إدارة جورج بوش الابن، وكان من منظّري غزو العراق 2003، باعتبار بغداد تهديدًا استراتيجيا لإسرائيل.
3. العقل الأمني الإسرائيلي: أكثر من مجرد قصف مفاعلات
من يفهم العقيدة الأمنية الإسرائيلية يعرف أن الهدف ليس فقط تدمير البرنامج النووي الإيراني، بل كسر الإرادة السياسية للدول الرافضة للتطبيع.
إيران ليست خطراً فقط بسبب النووي، بل لأنها تمثل آخر شبكات المقاومة الإقليمية ضد المشروع الصهيوني.
إسرائيل لا ترد عسكريًا فحسب، بل تنفذ فعليًا ما نصّت عليه ورقة “الانفصال النظيف” Clean Break.
بعد اغتيال رابين، مات تيار “السلام مقابل الأرض”. لم يصعد اليسار إلى الحكم بعد 2001.
في 2022، عجزت إسرائيل عن تشكيل حكومة، فتحالف نتنياهو مع اليمين المتطرف (بن غفير، سموتريتش).
سقوط إيهود باراك، وفشل كامب ديفيد 2000، واندلاع الانتفاضة الثانية، كلها دفعت المجتمع الإسرائيلي لاعتبار اليسار خاسرًا، وربط المفاوضات بالضعف.
اليوم، الحرب الإسرائيلية الإيرانية ليست فقط حول تخصيب اليورانيوم.
بل هي امتداد لمسار بدأ من إسقاط العراق 2003، إلى امتصاص الخليج باتفاقيات أبراهام 2020، إلى محاولة خنق غزة وتهجيرها 2023، وصولًا إلى تحطيم طهران 2025.
الداخل الإسرائيلي، اليوم في الملاجئ، لا يسأل “هل نخسر؟”، بل يردد:
“مضطرون، إنها معركة وجود”.
خاتمة
المشهد أكبر من مجرد ردود أفعال عسكرية. نحن أمام مشروع يعيد رسم المنطقة على أسس جديدة، تقوده قوة تمتلك تصورًا واضحًا منذ عقود، مدعومًا بنصوص وسياسات وخطط. الورقة التي وُضعت في 1996 أصبحت سياسة دولة، والخريطة تُرسم بالقوة، لا بالتسويات
