وهم الانتصار

لا أحب كلمة “النصر”. ففي بلداننا العربية، لم تعد هذه الكلمة تعبّر عن واقع أو حالة موضوعية، بل تحوّلت إلى تعبير وجداني يُشحن بالعاطفة ويغذّي الوهم أكثر مما يعكس الحقيقة.

اليوم، يتغنون بضربات الحوثيين على مطار بن غوريون، دون أن ينظروا أبعد من لحظة الضربة نفسها. كل ما في الأمر: “اضرب فقط”، اضربْ كي تُطفئ نار الهزائم المتراكمة في صدورنا، واضربْ كي نواسي أرواحنا المنهكة بالحسرات. لا يهمّ ما سيأتي غدًا، فكل ما نريده هو أن نتعشى الليلة على مائدة “وهم انتصار”. لا رؤية، لا استراتيجية، ولا حتى قدرة عسكرية حقيقية على خوض حرب شاملة إن اشتعلت. أما الحلفاء، فهم أول من يتخلّى عنا ساعة الجد.

أتذكّر قبل ثلاث سنوات، حين كتب بعض الفلسطينيين: “انتصرنا، انتصرنا”، بعد أحداث حي الشيخ جراح. طرحتُ سؤالاً بسيطًا على تويتر: أين هو الانتصار؟ فانهالت عليّ التعليقات كالمشانق. يبدو أننا لا نُحسن التفكّر في الغد، المهم أن نُسكت الأسئلة الآن، وأن لا نكسر طقس الاحتفال بـ”نصر عاطفي”، حتى وإن كانت الحصيلة مأساوية كما في عملية السابع من أكتوبر، التي تحوّلت إلى مقبرة لأهالي غزة. السؤال ممنوع، مهما بلغ حجم دعمنا لقضايانا.

أمس، فكّرت في قضية خور عبد الله. بينما هناك دول تأتي من خارج القارات لتفرض سيطرتها على أراضٍ ليست لها (كحال بريطانيا وفرنسا)، نجد أنفسنا نتنازل عن حدودنا بأيدينا. النظام السابق أدخلنا في كارثة غزو الكويت، حتى إن وزير دفاعه يومها لم يكن يعرف ما هو “النصر” الذي يريد تحقيقه من هذا الغزو. والنتيجة؟ ما زلنا إلى اليوم ندفع ثمن ذلك الوهم.

وها هي المعارضة التي “انتصرت” على النظام السابق، تحكم العراق منذ سنوات. لكن حتى انتصاراتهم لا يجوز مناقشتها. ليس من حقك كعراقي أن تسأل: لماذا أشركتم الكويت في إدارة خور عبد الله، وهو منفذنا البحري الوحيد؟ ولماذا قُدّمت أرض عراقية على طبق من صمت؟ جيل اليوم، ما زال يردد ساخرًا كلمات جيل الأمس عن الوضع الحدودي: “الويلاد يتريكون هناك”.

أقولها بصدق: لم أجرّب في حياتي طعم العيش في دولة منتصرة. كل ما عرفته كان شعور الدولة الخاسرة، وما أكثره