على الرغم من الحياة القاسية التي عاشها الإنسان العربي في الجاهلية في جوف صحراء ممتدّة قاسية، فإن اللغة التي احتضنها لم تكن لغة بدائية أو مفككة أو ضعيفة، فقد استوى النظام اللغوي على سوقه قبل نزول الوحي الذي حمل رسالة الإسلام الخالدة، فما كان للقرآن الكريم أن يتحدى العرب وبلاغتهم من دون أن يكون لديهم لغة ناضجة مكتملة الأركان، يتباهى بها العرب، شعراء ومحدثون، وأرباب فصاحة وبيان، ولو لم تكن اللغة العربية على قدرٍ من القوة والفصاحة والنضج، لما كان لهذا التحدي أي معنًى أو إعجاز.
وقد حمل الأدب الجاهلي، وما حواه من نصوص شعرية وخطب ورسائل، تأريخًا دقيقًا لأحداث ووقائع تناقلتها الأجيال عبر شعرائها وخطبائها وحكمائها، وتغنّت بها في محافل أدبية وأسواق شعرية، مثل سوق عكاظ، وبزوغ شعر المعلقات الخالدة، التي تعدّ من أجود ما جاد به الأدب الجاهلي. وهذا يدلِّل على أن اللغة العربية التي ورثها العرب، مع بزوغ فجر الإسلام، كانت لغة زاخرة بمادتها الثرية، وأساليبها المتنوعة. وإن إطلاق الحكم الجائر الذي يفيد بأن عصر الجاهلية كان عصرًا حافلًا بالفوضى والجهل، خاليًا من أي إبداع إنساني ورقي أدبي، ينافي الصواب، ويعدّ ظلمًا لحضارة مكّنت العرب من لغّة عظيمة اختارها الله لاحتضان كتابه الكريم الحافل بكلّ ألوان البلاغة والرقيّ اللغوي.
فالله تعالى شرّف العربية بإنزال القرآن الكريم بلفظها، ولكن هذا لا يعني أنها كانت لغة بدائية سطحية، وإنما هي لغة مجتمع أنتج أشكالًا شعرية وبلاغية ذات مستوى رفيع، فهو مجتمع فقير في بيئته، عظيم في نتاجه اللغوي الإبداعي.
إنّ ما يؤكد أن الأدب الجاهلي أدبٌ مكتملُ الأركان – في مستوياته المختلفة، وفنونه العديدة، شعرًا ونثرًا … حكمًا وأمثالًا … خطبًا ورسائل، وأن العربيّ في عصر الجاهلية كان ذا فهم ودراية بلغته، متذوقًا جمالها، متقنًا استعمالها – قدرة العربي على إدراك بلاغة القرآن وجلال منطوقه، ولمساته الإعجازية، ومدلول رسالته الخالدة.
خلاصة القول، أرى أن من يطلق حكمه على الأدب الجاهلي والمجتمع الجاهلي منطلقًا في ذلك من مقارنته بالعصر الإسلامي، سيقع في مغالطة بائنة، لأن للعصر الإسلامي خصائصه المستوحاة من القرآن الكريم وأحكامه التي لم تكن هي نفسها السائدة في المجتمع الجاهلي. فحتى نكون منصفين، يجب أن نضع الأمور في نصابها حينما يتعلّق الأمر بتناول الأدب انطلاقًا من دراسة خصائص المجتمع. فالجاهلية جهل بتوحيد الله، وتفاخر باطل بالأنساب، وكبر وتسلط …، لكن ما لا يمكن نكرانه أن مرحلة الجاهلية مرحلة مكتملة الأركان على الصعيد اللغوي والبلاغي.
