أبعد من مجرد تصريح

ما قالته الموفدة الأميركية بالأمس هو تصريح مرفوض تماما أسلوباً ومضموناً، وهو يشكل إساءة الى بلد خرج لتوّه من حرب مدمّرة خلّفت آلاف الشهداء ودمّرت قرى بأكملها، ولا يزال العديد من الأهالي غير قادرين على العودة إلى ديارهم أو حتى دفن موتاهم، فيما يتم توجيه “الشكر” او “الامتنان” للعدو من على الأراضي اللبنانية. كما ويشكل هذا الكلام خرقاً موصوفاً لكل الأعراف الدبلوماسية وأصول إدارة السياسة في مراحل ما بعد النزاعات وتوقيع الاتفاقيات لا سيما لجهة تحديد شكل الحكومة .

ما قيل بالأمس لم يكن زلّة لسان أو موقف عابر، وإنما هو رسالة سياسية محسوبة بدقة سبقت زيارة الجنوب، ويُراد من خلالها تكريس نهج جديد في التعامل مع لبنان. مورغان أورتاغوس أرادت ان تجسد بوضوح نهج الإدارة الأميركية الحالية وبالتالي، لا شك أن هذه التصريحات لم تصدر عبثًا، بل جاءت ضمن سياق مدروس يدرك تمامًا ما قد تخلّفه من ردود فعل حادة ومستنكِرة، ومع ذلك اختارت واشنطن المضي قدمًا في هذا الاتجاه.

حجم المتغيرات التي نعيشها تتجاوز حدود الإدانة البديهية والصريحة لما قيل، وكذلك لمنطق المزايدات السياسية وكأننا اكتشفنا للتو ان الوسيط الاميركي منحاز تماما لإسرائيل. السؤال الاهم هو كيف يتعامل لبنان-الدولة مع المرحلة الجديدة في ظل ما يعانيه البلد، وما هي مصلحة لبنان في تلك اللحظة الشديدة التعقيد ؟ نحن أمام معطى جديد يتمحور حول الدور الأميركي في لبنان، وهو دور لن يكون عابرًا أو محدودًا، بل سيظل حاضرًا بقوة في الحياة السياسية اللبنانية. وهو يختلف تماما عن مرحلة هوكنشتاين بفعل طبيعية للمتغيرات في موازين القوى الإقليمية بعد توقيع اتفاق وقف إطلاق النار وسقوط النظام السوري.

ان كيفية التعامل مع الدور الأميركي هذا سيكون لها تأثير على القضايا الأساسية في البلد، بدءاً من تطبيق وقف إطلاق النار إلى استكمال انتشار الجيش في مرحلة ما بعد الانسحاب الإسرائيلي المؤجّل حتى هذه اللحظة. كل ذلك يحدث في وقت يحتاج فيه لبنان بشدّة إلى دعم دولي وإقليمي عاجل لإنقاذ اقتصاده وإعادة إعمار ما دمّرته الحرب، مما يجعل التعامل مع هذا الواقع المستجد أكثر تعقيدًا.

بكل روية ومسؤولية، نعم، نحن اليوم في لبنان مختلفون حول ترتيب الأولويات، ويظهر ذلك في مسار تأليف الحكومة، فإذا كان هنالك من رد على الموقف يكون في الإسراع في تشكيل الحكومة، في خطوة تعكس قدرة اللبنانيين على التفاهم الداخلي واتخاذ قراراتهم بمقدار من الاستقلالية “النسبية” عن العوامل الخارجية.

نحن بلد مدمّر ومفلس ومنهك، تغيّر واقعه الإقليمي بشكل كامل من حوله. الرد الوحيد يكون بتوسيع الهوامش السياسية المحلية مقابل التدخلات الخارجية. لذلك، نحن بأمس الحاجة الى تحمل الجميع مسؤولياتهم والإسراع افي حكومة قادرة على التعامل الجدي والمسؤول مع المتغيرات، وعلى رأسها ضمان تنفيذ وقف إطلاق النار الذي فاوض ووقّع عليه نبيه بري والتزم به حزب الله قبل انتخاب جوزاف عون وتكليف نواف سلام. حكومة قادرة على التعامل مع الأدوار الاقليمية والدولية المستجدة، حكومة قادرة على التعامل بواقعية وفعالية مع الجهات الدولية ومن ضمنها الولايات المتحدة، وعلى تنفيذ الإصلاحات الضرورية التي تأخرت أكثر من خمس سنوات بفعل تشابك المصالح المالية مع المصالح السياسية لمعظم القوى الكبرى، وقادرة على المضي قدما في ملف إعادة الإعمار والأزمة الاقتصادية.