الرقائق الإلكترونية: ساحة جديدة للتنافس بين الصين والولايات المتحدة

الرقائق الإلكترونية هي أنظمة دوائر إلكترونية مصغرة تُصنع باستخدام مواد أشباه الموصلات. وتُعدّ حجر الأساس في التكنولوجيا الحديثة، حيث تلعب دورًا لا غنى عنه في مجالات معالجة البيانات، والنقل والاتصالات، والرعاية الصحية، والفضاء. ومع استمرار تطور هذه التكنولوجيا، فإنها لا تدفع فقط المجتمعات البشرية نحو الرقمية والذكاء الصناعي، بل أصبحت أيضًا موردًا استراتيجيًا مهمًا لحماية الأمن التكنولوجي والعسكري للدول.

في الوقت نفسه، أصبحت الرقائق الإلكترونية محورًا جديدًا للتنافس بين الصين والولايات المتحدة، وهي ساحة معركة مهمة في الحرب التجارية بين البلدين في مجال تكنولوجيا. وقد أشار بعض الباحثين إلى أن ربط الولايات المتحدة بين التطور التكنولوجي الصيني وأمنها القومي وسياساتها الجيوسياسية هو أحد مظاهر “القومية التكنولوجية الجديدة” في الولايات المتحدة. وبدافع من هذه الفكرة، تخلت الولايات المتحدة عن التزاماتها بسياسات التجارة الحرة واتخذت سلسلة من الإجراءات للحد من تطور الشركات الصينية في قطاع التكنولوجيا المتقدمة، بما في ذلك إصدار قائمة الكيانات،وفرض رسوم جمركية إضافية، وتطبيق حظر تكنولوجياصارمة. ومن أجل التعامل مع صعود الصين في صناعة الرقائق وأشباه الموصلات، كثفت الولايات المتحدة القيود على هذا القطاع بحجة أمن الدولة”.

خلال حكومة بايدن، شكلت الولايات المتحدة تحالف “الرقائق الرباعي” بالتعاون مع اليابان وكوريا الجنوبية ومنطقة تايوان الصينية، وعزّزت التعاون الجيوسياسي في هذا المجال مع منطقة الهندي والهادئ وأوروبا. وعلى المستوى الداخلي، أصدرت الحكومة الأمريكية “قانون الرقائق والعلوم” لدعم إحياء صناعة أشباه الموصولات فيالبلاد. وفي ديسمبر ٢٠٢٤، صعّدت إدارة بايدنالعقوبات ضد قطاع أشباه الموصلات في الصين بإضافة ١٤٠ شركة صينية جديدة إلى قائمة الكيانات المحظورة، مما شمل مختلف مراحل تصنيع الرقائق.

منذ عام ٢٠١٠، كثّفت الصين استثماراتها في صناعة أشباه الموصلات، وفي عام ٢٠١٥ أصدرت الصين خطة “الصنع في الصين ٢٠٢٥“، حيث حدّدت صناعة أشباه الموصلات كأحد المجالات الرئيسية لتطوير التكنولوجيا الوطنية في الصين. وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة لا تزال تحتل موقع الصدارة في صناعة الرقائق عالميًا، إلا أن الاختراقات التكنولوجية التي تحققها الصين بدأت في تغيير هذا المشهد. على سبيل المثال، نجح نموذج الذكاء الاصطناعي الصيني ديب سيك في تحقيق تحسينات كبيرة في الأداء من خلال تقنيات متقدمة في تحسين الخوارزميات، مما منحه قدرة تنافسية قوية في الأسواق الدولية. ديب سيك قللت تكلفة تدريب النماذج الكبيرة، وهي أيضا قامت بمشاركة كود نموذجها بشكل مفتوح، مما يتح للشركات العالمية حق استخدامه، وتعديله وتطويره لأغراض تجارية بحرية. ومن هذه الخطوة المفتوحة، يمكن للمطورين من جميع أنحاء العالم المشاركة معا. ولا يعزز نجاح ديب سيك فقط قدرة الشركات الصينية على المنافسة عالمية، بل يساهم أيضا في كسر الهيمنة الأمريكية على سوق الرقائق ودفع الصناعة العالمية نحو التعددية القطبية.

إن التنافس في مجال الرقائق الإلكترونية يعيد تشكيل المشهد التكنولوجي ليس فقط بين الصين والولايات المتحدة، بل على مستوى العالم أيضًا. وتم تنفيذ محاولات ديب سيك في ظل قيود مثل مراقبة تصدير الرقائق المتطورة من الولايات المتحددة إلى الصين. مع ذلك، فإنهذه القيود لم تضعف قدرات الذكاء الاصطناعي الصينية. لهذا أوّد أن أقول: إنّ جوهر التكنولوجيا ليس الاحتكار، بل المشاركة والتقدم. لذا، فإن التخلي عن القومية التكنولوجية الضيقة هو السبيل الوحيد لتحقيق التنمية المعادلة والمستدامة للجميع.