ثمة ألوان نمر بها فلا تترك فينا أثرا، وأخرى تستوقفنا كأنها تعرفنا منذ زمن، تلامس شيئا خفيا في أرواحنا، وتوقظ حكايات ظننا أن الأيام قد طوتها.
فلماذا نحب لونا دون آخر؟ ولماذا نشعر أحيانا أن لونا معينا يشبهنا، وكأنه قطعة صغيرة من ذاكرتنا؟
ماذا يقول العلم؟
في دراسة نشرت عام 2010 في مجلة الأكاديمية الوطنية الأمريكية للعلوم، قدم الباحثون تفسيرا علميا لتفضيل الألوان، مفاده أن الإنسان قد يميل إلى الألوان المرتبطة بأشياء يحبها وتجارب تحمل لديه معاني إيجابية.
فربما نحب الأزرق لأنه يذكرنا بسماء صافية، والأخضر لأنه يعيد إلينا سكينة الطبيعة، أو لونا آخر لأنه كان حاضرا في لحظة جميلة لم تغادر ذاكرتنا.
وفي مراجعة علمية نشرت عام 2025 في مجلة Psychonomic Bulletin & Review، شملت 132 دراسة وأكثر من 42 ألف مشارك من 64 دولة، وجد الباحثون أن الألوان ترتبط في أذهان البشر بمشاعر متعددة، وقد تختلف هذه الارتباطات باختلاف اللغة والثقافة.
فالأزرق والأخضر ارتبطا غالبا بمشاعر إيجابية هادئة، والأصفر والبرتقالي بمشاعر إيجابية أكثر حيوية، أما الأرجواني فارتبط بمشاعر القوة والتمكين.
وللأرجواني حكاية أخرى…
ففي دراسة نشرت عام 2023، شملت أكثر من 4000 مشارك من 28 دولة، وجد الباحثون أن المعاني العاطفية المرتبطة بالأرجواني ودرجاته تختلف باختلاف اللغة والثقافة.
وكأن اللون الواحد يستطيع أن يروي حكايات مختلفة، تبعا للعيون التي تراه، والقلوب التي تمنحه معناها.
لكن العلم يذكرنا بحقيقة مهمة: لا يمكن الحكم على شخصية الإنسان من لونه المفضل، ولا يعني ارتباط لون بمشاعر معينة أنه سيولد تلك المشاعر لدى الجميع.
ولعل أجمل ما في الألوان أنها لا تسألنا عن أعمارنا، ولا عن أسمائنا، ولا عما مررنا به… لكنها أحيانا تفتح في ذاكرتنا نافذة ظننا أنها أغلقت منذ زمن.
فبعض الألوان نحبها لجمالها، وبعضها نحبها لأنها تذكرنا بمن كنا، أو بمن أحببنا، أو بلحظة تمنينا لو أن الزمن توقف عندها قليلا.
وربما لهذا لا يكون لوننا المفضل هو الأجمل في العالم، بل الأقرب إلى حكايتنا.
لو كان للذكريات لون… فأي لون سيحمل أجمل حكاياتكم؟
دمتم بصحة وعافية
د. رند سلوان عبود
طبيبة أسرة
