سبحان الله، كيف تُعلّمنا الأيام أن الحياة ليست دائمًا كما نراها في لحظةٍ واحدة، وأن بعض القناعات التي تمسّكنا بها طويلًا، قد تتبدّل حين ننظر إليها بعينٍ أكثر هدوءًا وقلبٍ أكثر اتّساعًا!
بحسب دراسة علمية نُشرت عام 2024 في مجلة بلوس ون، تناول الباحثون مفهومًا في علم النفس يُعرف باسم التواضع الفكري.
Intellectual Humility
وهو إدراك الإنسان أن معرفته قد تكون غير مكتملة، وأن قناعاته، مهما بدت راسخة، تظل قابلة للمراجعة حين تتّسع رؤيته أو تتضح له جوانب لم يكن يراها من قبل.
وقد وجدت الدراسة ارتباطًا بين التواضع الفكري والاستجابات الأكثر إيجابية وبناءً عند التعامل مع الخلافات.
ولعلّ أجمل ما في هذا المفهوم أنه يذكّرنا بأن النضج لا يعني أن نكون دائمًا على صواب، بل أن نمتلك من الحكمة ما يجعلنا قادرين على إعادة النظر في مواقفنا دون أن نشعر بأن شيئًا من قيمتنا قد انتقص.
فكم من موقفٍ حكمنا عليه من زاوية واحدة، ثم كشفت لنا الأيام أن للحكاية وجهًا آخر!
وكم من قرارٍ اتخذناه ونحن نظن أن الطريق لا يحتمل غيره، ثم أدركنا أن الحياة كانت أوسع من حدود تلك اللحظة!
إن الثبات على المبادئ فضيلة، لكن ليس كل تمسّكٍ بالمواقف قوة، ولا كل مراجعةٍ للقرارات ضعفًا.
فقد تكون الشجاعة أحيانًا في أن نمنح أنفسنا فرصةً أخرى للفهم، وأن نترك للهدوء ما عجزت عنه الانفعالات، ولحسن الظن ما ضاق عنه سوء الفهم.
فليس كل من أعاد النظر في موقفه مترددًا، ولا كل من بادر خاسرًا، ولا كل من فتح بابًا أغلقه يومًا قد تنازل عن كرامته.
ولعلّ بعض المواقف كانت تحتاج إلى شيءٍ من الهدوء، لا إلى مزيدٍ من الأحكام، وبعض الكلمات كان يمكن أن تُفهم بصورة أجمل لو منحناها شيئًا من التأمّل.
وما أجمل أن نصل إلى مرحلةٍ من النضج لا نرى فيها الحياة ساحةً لإثبات من انتصر ومن خسر، بل مساحةً رحبةً للفهم والتسامح وإعادة اكتشاف المعاني.
فليس المطلوب أن نتراجع عن كل قرار، ولا أن نتنازل عن قناعاتنا، وإنما أن نحتفظ بمرونة العقل ورقّة القلب، وأن نترك للأيام فرصةً لتكشف لنا ما غاب عنّا في البداية.
فليست الشجاعة دائمًا في المضيّ قدمًا، بل قد تكون أحيانًا في الالتفات بحكمة إلى ما تركناه خلفنا.
وربما كانت أجمل علامات النضج أن ندرك أن بعض الأبواب لا تحتاج إلى من ينتصر في إغلاقها، بل إلى من يمتلك الحكمة لإعادة فتحها.
فالحياة أقصر من أن نقضيها في إثبات من كان على صواب، وأجمل من أن نختصرها في موقف واحد.
ولعلّ أجمل ما يتركه الزمن في أرواحنا، ليس ما يُغيّره من حولنا، بل ما يزرعه في داخلنا من سعةٍ للفهم، وشجاعةٍ للمراجعة، ورحمةٍ في الحكم على الأشياء.
د. رند سلوان عبود
طبيبة أسرة
