رصاص الكرك.. هدية مجانية لصنّاع الإسلاموفوبيا

لم يكن المشيّعون في كنيسة القديس جاورجيوس في قرية حمود بمحافظة الكرك يحملون يوم الجمعة 23 أكتوبر سوى حزنهم على عزيز فقدوه، حين انتهك ثلاثة مسلحين حرمة الموت نفسه، فأطلقوا النار عليهم دقائق متواصلة، ثم لاذوا بالفرار. تسعة قتلى وعشرات الجرحى، في بلد اعتاد فيه المسلم أن يمشي في جنازة جاره المسيحي، واعتاد فيه المسيحي أن يقف في بيت عزاء جاره المسلم.

ليس ما جرى في حمود غضبًا طارئًا ولا جريمة عابرة. فمن يختار جنازة، ويختار كنيسة، ويختار الكرك تحديدًا، إنما نفّذ عملًا مدبّرًا بعناية، أراد له أن يصيب أكثر من الأجساد التي سقطت. لقد أراد أن يصيب فكرة الأردن نفسها، فكرة البلد الذي لم تعرف الطائفية طريقًا إلى بيوته، والذي يجمع أبناءه في الكرك العشيرةُ والأرض والجيرة قبل أي شيء آخر.

وفجر يوم الاثنين، أعلنت مديرية الأمن العام القبض على المسلحين الثلاثة بعد اشتباك مسلح في منزل مهجور تحصّنوا فيه، أُصيبوا خلاله جميعًا دون أي إصابات في صفوف القوة الأمنية. غير أن السلطات لم تُعلن حتى الآن أسماءهم، ولا الجهة التي ينتمون إليها، وكان مدير الأمن العام قد قال إن من المبكر الحديث عن ارتباطهم بجماعات داخل الأردن أو خارجه. أما رئيس الوزراء جعفر حسان، فقد وصف الهجوم بأنه نتاج الفكر التكفيري الإرهابي والتطرف الأعمى، وأعلن الحداد ثلاثة أيام، ثم أكد في جلسة مجلس الوزراء أن مواجهة التطرف “ليست معركة أمنية فحسب، بل معركة وعي وفكر”.

لكن السؤال الذي لا يجوز أن يغيب وسط الحزن هو: من المستفيد؟ فالرصاص الذي انطلق في حمود لم يقتل تسعة أبرياء فحسب، بل قدّم هدية مجانية لكل من يتاجر بكراهية المسلمين في العالم. إذ يكفي أن يُكتب العنوان “هجوم على كنيسة في بلد مسلم” حتى يتلقفه صنّاع الإسلاموفوبيا دليلًا جاهزًا على روايتهم القديمة: أن الإسلام دين عنف، وأن المسلم خطر على جاره، وأن لا مكان للمسيحيين في الشرق.

ويأتي هذا الهجوم في لحظة لا تحتمل مزيدًا من الوقود. ففي الولايات المتحدة وحدها، سجّل مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية “كير” 8,683 شكوى من التمييز والاعتداء على المسلمين عام 2025، وهو أعلى رقم منذ بدأ رصده عام 1996. وفي مناخ كهذا، تتحول كل جريمة تُرتكب باسم المسلمين إلى تهمة جماعية، يدفع ثمنها طالبة محجبة في مدرسة أمريكية، وعامل يُسأل عن اسمه في مطار أوروبي، ومهاجر يُنظر إليه كمشتبه به قبل أن يُنظر إليه كإنسان.

وهنا تتكشف الحقيقة التي يحاول الطرفان إخفاءها: أن التكفيري والمتاجر بالإسلاموفوبياوجهان لعملة واحدة. فالأول يقتل باسم الإسلام، والثاني يحاكم الإسلام بجريمة الأول، وكلاهما يريد العالم منقسمًا إلى معسكرين، مسلمين ومسيحيين، لا يلتقيان إلا على الدم. وكلاهما يخسر حين يرى الأردنيين، مسلمين ومسيحيين، يقفون معًا في صفوف العزاء، ويرفضون أن تُختصر جريمة ثلاثة مسلحين في دين بأكمله.

وللإنصاف، فإن الكرك ليست غريبة عن الإرهاب، ففي ديسمبر 2016 هاجم مسلحون، تبنّى تنظيم الدولة عمليتهم، دوريات أمنية وقلعة الكرك، فقتلوا عشرة أشخاص بينهم سبعة من رجال الأمن وسائحة كندية. غير أن الأردنيين خرجوا يومها أكثر تماسكًا، وهو ما يتكرر اليوم، إذ ردّ الأردنيون على منصات التواصل بعبارة واحدة: “الكنائس بيوتنا”، ثم ساروا يوم الأحد خلف نعوش الضحايا في حمود، تتقدمهم وفود من العشائر والنقابات والأحزاب جاءت من أنحاء المملكة.

وبعد القبض على المنفذين، نأمل أن تُكشف نتائج التحقيق كاملة وبسرعة، فالفراغ تملؤه الشائعات، والصمت يمنح المتربّصين فرصة كتابة الرواية على مقاسهم. ومن الجدير بالإعلام العربي أن يسمّي الجريمة باسمها دون تبرير أو تهوين، وبالجاليات المسلمة في الغرب أن تكون أعلى الأصوات إدانةً لها، لأن الصمت هناك يُقرأ قبولًا.

إن هؤلاء الغرابيب السود الذين خططوا لرصاص حمود أرادوا أن يزرعوا الشك بين جارين، وأن يمنحوا أعداء المسلمين صورة يحتاجونها. لكن الكرك التي رأت قلعتها الغزاة يأتون ويرحلون عبر القرون، لن تسقط برصاص الغدر، وكنائسها ستبقى بيوتنا.