صوتنا ليس مضمونًا.. عرب أمريكا بين خذلان الحزبين

على الرغم من أن العرب والمسلمين الأمريكيين لا يشكلون سوى نسبة صغيرة من الناخبين، إلا أن أصواتهم أصبحت حديث غرف الحملات الانتخابية. ولا تكمن قوتهم في عددهم بقدر ما تكمن في مكان وجودهم في ولاية ميشيغان، التي طالما عُدّت جزءًا من “الجدار الأزرق” للحزب الديمقراطي قبل أن تتحوّل إلى ولاية متأرجحة. فمن ديربورن خرجت عام 2024 رسالة هزّت الحزبين: صوتنا ليس مضمونًا لأحد. يومها حصل المرشح الجمهوري دونالد ترامب في المدينة على 42% من الأصوات، والمرشحة الديمقراطية كامالا هاريس على 36%، ومرشحة حزب الخضر جيل ستاين على 18%، في مدينة منحت الديمقراطي جو بايدن نحو 69% قبل أربع سنوات فقط.

وفي الثالث من نوفمبر تُجرى انتخابات التجديد النصفي لاختيار كامل أعضاء مجلس النواب البالغ عددهم 435، و35 مقعدًا من مقاعد مجلس الشيوخ المئة، في وقت يملك فيه الجمهوريون الأغلبية في المجلسين، وهي في مجلس النواب أغلبية ضئيلة. وتتجه الأنظار إلى ميشيغان، حيث يتنافس الديمقراطي عبد الرحمن السيد، الأمريكي من أصل مصري، مع الجمهوري مايك روجرز، ليصبح، في حال فوزه، أول مسلم يدخل مجلس الشيوخ الأمريكي. وقد أظهر استطلاع أُجري في الأول من أكتوبر تقدّمه بنسبة 45.6% مقابل 41.4%، وهو فارق قريب من هامش الخطأ، مما يعني أن كل صوت في ديربورن قد يصنع الفرق.

تبقى الحرب على غزة وجنوب لبنان واليمن القضية الأولى التي غيّرت مزاج الناخب العربي والمسلم، فقد شعر كثيرون أن الإدارة الديمقراطية السابقة تجاهلت مطالبهم بوقف إطلاق النار وبوقف تسليح إسرائيل، إضافة إلى أن المرشحة الديمقراطية للرئاسة كامالا هاريس لم تزر ديربورن خلال حملتها، رغم جولاتها المتكررة في ميشيغان. غير أن خيبة الأمل لم تعد موجهة إلى طرف واحد. فالإدارة الجمهورية التي وعدت عرب ديربورن بإنهاء الحروب، هي نفسها التي قصفت اليمن في ربيع 2025، ثم أعلنت في فبراير 2026 إنهاء الحماية المؤقتة من الترحيل لليمنيين المقيمين في أمريكا، وهي نفسها التي جرّت البلاد إلى حرب مع إيران دفع الناخب ثمنها من جيبه في أسعار الوقود والمعيشة.

ولكل جالية جرحها الخاص. فاللبنانيون، الذين جاء كثير منهم من الجنوب ومن بنت جبيل تحديدًا، تابعوا هذا العام حربًا جديدة على قراهم قتلت أكثر من أربعة آلاف إنسان وشرّدت ما يزيد على مليون، وهم يريدون صوتًا في واشنطن يطالب بوقف تمويل هذه الحرب ويدفع نحو إعمار ما دُمّر. أما اليمنيون في الحي الجنوبي من ديربورن، الذين منحوا ترامب نحو 55% من أصواتهم عام 2024، فوجدوا أنفسهم أمام حظر سفر يفرّق العائلات، ومطلبهم الأول لمّ الشمل وإعادة الحماية المؤقتة. والعراقيون، مسلمين وكلدانًا، لم ينسوا حملات الترحيل التي طالت أبناءهم منذ عام 2017، ومنها قصة رجل عاش في ميشيغان منذ طفولته، رُحّل إلى بغداد عام 2019 فمات بعد شهرين، وهم يتطلعون الىسياسة هجرة تحميهم.

ويجتمع هؤلاء جميعًا عند مطالب واحدة: أن تُنفق ضرائبهم على طرق مدينتهم ومدارس أبنائهم لا على هدم بيوت الآخرين، وأن يكون لهم ممثل يُحاسَب أمامهم لا أمام جماعات الضغط، وأن يُعامَلوا كمواطنين كاملين لا كمشتبه بهم بسبب أسمائهم ودينهم.

وللإنصاف، فإن لهذا الصوت حدودًا. فالمسلمون الأمريكيون ليسوا كتلة واحدة، وجزء كبير من أصوات الغضب في 2024 ذهب إلى مرشحين من خارج الحزبين الكبيرين، وفي مقدمتهم مرشحة حزب الخضر جيل ستاين، فأوصل رسالة احتجاج قوية، لكنه لم يوصل أحدًا إلى منصب.

لذا نرى أنه من الجدير بالجالية ألّا تكتفي بإرسال رسائل الغضب كل أربع سنوات، بل أن تبني حضورًا دائمًا في الانتخابات المحلية ومجالس المدارس والبلديات، وأن تحوّل ثقلها في الولايات المتأرجحة إلى برنامج واضح تطالب به كل المرشحين، أيًّا كان حزبهم. فقوة الصوت لا تُقاس بعدده، بل بحضوره واستمراره، والثالث من نوفمبر فرصة لنُسمع أصواتنا بأنفسنا، قبل أن يتكلم غيرنا باسمنا.