فورين بوليسي: الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران نقطة حاسمة أعادت تشكيل الجيوسياسة الحديثة

نشرت مجلة “فورين بوليسي” مقالا لكنيث بولاك، نائب مدير السياسة في معهد الشرق الأوسط بواشنطن، قال فيه إن حرب إيران غيرت العالم وللأبد.

وقال إن التداعيات المباشرة للحرب الإسرائيلية-الأمريكية ضد إيران باتت واضحة للعيان. فقد حظي بروز الطائرات المسيرة والصواريخ كأسلحة حرب رئيسية، والخطر الذي يهدد الاقتصاد العالمي جراء التهديدات التي تحدقبالممرات المائية الحيوية، كمضيق هرمز وباب المندب، وقصور استراتيجية الولايات المتحدة في شراء الأسلحة، وغيرها من القضايا- باهتمام واسع النطاق.

ومع أهمية هذه التطورات، فإن للحرب على إيران تداعيات أوسع وأطول أمدا، وتشير إلى تغييرات قد تحدث تحولا جذريا في منطقة الشرق الأوسط والعالم أجمع.

وبعد عقود، قد ننظر إلى هذه الحرب باعتبارها نقطة تحول حاسمة أعادت تشكيل المبادئ الأساسية للجيوسياسة الحديثة.

وبينما كان من الأفضل استشراف هذه التحولات المحتملة قبل الحرب، فلا يزال هناك متسع من الوقت لاتخاذ إجراءات لتوجيهها نحو مسار إيجابي. وكما هو الحال دائما، فإن الشرط الأول هو إدراك التغيرات الجذرية المحتملة التي ربما تكون قد بدأت بالفعل.

ومن أوائل هذه التغيرات توصل دول الخليج إلى أن أفضل وسيلة للدفاع هي الهجوم. فرغم القدرة التي أظهرتها الدفاعات التقليدية والذخائر الاعتراضية الأمريكية والإسرائيلية والأوروبية والكورية الجنوبية في إسقاط صواريخ باليستية وصواريخ كروز وطائرات مسيرة إيرانية، فإن الطائرات المسيرة وصواريخ كروز، بل والصواريخ الباليستية، أرخص بكثير وأسهل في الإنتاج والتخزين والإخفاء والإطلاق من معظم الصواريخ الاعتراضية التي تستخدمها الولايات المتحدة وحلفاؤها ضدها، في حين تمكنت إيران من مواصلة إنتاج المزيد منها وإطلاقها على أهداف في الخليج والأردن وإسرائيل.

وحدها إسرائيل كان لديها غطاء كاف وبنية تحتية محصنة بما يكفي لمقاومة الهجمات الإيرانية المضادة. وفي المقابل، كانت مستويات الضرر نفسها كارثية بالنسبة لدول الخليج. فشركات الطاقة والشحن والتأمين جميعها تتردد في العمل في ظل التهديد المستمر للهجمات الإيرانية، حتى لو تم صد أكثر من 90% منها. وبهذا، قوضت هجمات إيران بالطائرات المسيرة والصواريخ قطاعات الطاقة والتصنيع والتجارة والتمويل والاستثمار والسياحة في الخليج.

وأدركت حكومات الخليج هذا الأمر إلى حد ما، إلا أنها افترضت قبل الحرب أن التهديد برد واسع النطاق من جانب الولايات المتحدة سيحد من حجم ونطاق الهجمات الإيرانية بالصواريخ والطائرات المسيرة، مما يمكن دفاعاتها من صد أي ردود فعل محدودة قد تراها طهران ضرورية حفاظا على شرفها.

وعولت هذه الحكومات على ضبط النفس الذي أبدته إيران باستمرار في الماضي، بما في ذلك حرب حزيران/يونيو 2025 القصيرة، لأن إيران كانت تخشى ردا أوسع من الولايات المتحدة ومحاولة لتغيير النظام. ولكن محاولة تغيير النظام الفاشلة في الحرب الحالية منحت إيران القدرة على الرد وتهديد اقتصاديات الخليج مباشرة بالهجمات الصاروخية والطائرات المسيرة، وتهديد الاقتصاد العالمي بتقييد حركة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز، دون الخوف من أي محاولة أمريكية للإطاحة بنظامها.

ومع زوال خطر تغيير النظام، أثبتت إيران قدرتها على ردع الهجمات الأمريكية والإسرائيلية بفعالية.

وفي ظل هذا الوضع، أصبحت دول الخليج تسعى جميعها إلى شراء أساطيل من الطائرات المسيرة والصواريخ أو التفكير في اقتنائها. وتشتري السعودية والإمارات وقطر والكويت طائرات مسيرة تركية، بينما تعمل السعودية مع شركات أمريكية لبناء آلاف منها محليا. وبالمثل، تحاول الإمارات الحصول على طائرات مسيرة وقدرات لتصنيعها من إسرائيل والصين وأوكرانيا. وتجري قطر والبحرين محادثات في هذا الشأن.

ولكن افتراضنا أن توازن القوة سيفرض سلاما حذرا على الخصوم المسلحين بالطائرات المسيرة والصواريخ على جانبي الخليج، كما فعلت الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، سيكون في غير محله.

وكما قال برنارد برودي الشهير عام 1946، فإن ما جعل التوازن النووي فعالا في الحفاظ على وتيرة الأحداث هو القوة الهائلة للأسلحة النووية. ولا يمكن لأحد أن يخطئ في فهم ما سيحدث لو تم تفجير سلاح نووي واحد، فضلا عن عشرات الأسلحة، في بلاده. وبالمقابل، فعندما تمتلك دول الخليج وإيران آلاف الطائرات المسيرة والصواريخ التقليدية، سيغيب اليقين بحدوث دمار هائل. وبدلا من ذلك، من المرجح أن تشكل هذه الترسانات حافزا لمزيد من الحرب.

وعلى الرغم من خطورة هذا الوضع، فإن هناك تطورا مؤسفا آخر يجب أخذه في الاعتبار. فبمجرد أن تكتسب دول الخليج القدرة على بسط نفوذها خارج حدودها، وهو أمر لم تمتلكه أي منها منذ قرن تقريبا، فمن المرجح أن تبدأ في استخدامه لأغراض قد لا تروق للولايات المتحدة.

وهذا أيضا هو تاريخ الخليج. ففي سبعينيات القرن الماضي، عندما سلحت الولايات المتحدة شاه إيران على أمل أن يخفف بعضا من عبء الدفاع عن واشنطن في المنطقة، بدأ الشاه باستخدام جيشه الجديد للقيام بأمور شتى لم ترق للولايات المتحدة، بدءا من دعم الأكراد ضد صدام حسين وصولا إلى الاستيلاء على جزر الخليج من الإمارات. وعلى مدى العقد الماضي، وبتحريض أمريكي، طورت الإمارات قدرات متواضعة على بسط نفوذها، استخدمتها لتحقيق مصالحها في اليمن وليبيا والسودان والقرن الأفريقي، غالبا في معارضة للسياسات الأمريكية.

أما البعد الآخر فهو الصين. فعلى مدى العقود الأربعة الماضية تقريبا، كانت الصين المستفيد الأكبر من موارد الشرق الأوسط. واعتمدت بكين على واشنطن للحفاظ على استقرار المنطقة من خلال معالجة مشاكلها الأمنية التي لا تنتهي، من الحروب بين الدول إلى الحروب الداخلية، مما سمح للصين بالتركيز على تنمية مواردها عبر التجارة والاستثمار وبناء البنية التحتية.

وبينما كانت الصين محور حديث الخليج قبل 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، فقد غابت عن النقاش تماما تقريبا بعد هجوم حماس. وأدركت جميع دول المنطقة أن الصين عاجزة عن بسط نفوذها في الشرق الأوسط. وفي زمن الحرب، لم يكن لتدخلها الاقتصادي الواسع في المنطقة أي قيمة تذكر، إن وجد أصلا. ولم تستطع الصين حماية حلفائها الإقليميين من أي هجوم، ولم تستطع كذلك تهديد أعدائها الإقليميين.

وأقصى ما استطاعت الصين فعله هو حث حلفائها الباكستانيين على التوسط بين طهران وواشنطن، ولكن حتى بعد مرور أشهر، لم ينه ذلك الصراع، ولا توجد أي مؤشرات على مراعاة المصالح الصينية في المفاوضات.

وهنا تكمن المشكلة ويبرز التساؤل الأهم: هل ستدفع المجازر التي خلفتها ثلاث سنوات من الحروب في المنطقة، والتي توجت بالهجوم الأمريكي-الإسرائيلي على إيران هذا العام، والتي هددت جميعها المصالح الصينية، بكين إلى إعادة النظر في شعورها بالعجز واستعدادها للاعتماد على الآخرين لتأمين مصالحها الحيوية في الشرق الأوسط؟ وهل ستختار بكين بذل جهد حثيث لبناء قدرة على بسط نفوذها في الخليج، لكي تتمكن من فرض متطلباتها على الجهات الفاعلة المحلية والخارجية، كالولايات المتحدة؟

ويقول الكاتب إن طهران، على ما يبدو، تبنت سياستين كانتا نظريتين فقط من قبل. أولا، باتت إيران تدرك أنها تستطيع إضعاف حركة الملاحة في مضيق هرمز أو حتى إغلاقه تماما، دون إثارة حملة عسكرية ضخمة مدعومة دوليا بقيادة الولايات المتحدة لإعادة فتحه والإطاحة بالنظام الإيراني.

ثانيا، أدركت إيران أنها تستطيع إطلاق آلاف الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز والطائرات المسيرة على حلفاء الولايات المتحدة في الخليج، بتأثير يفوق بكثير الأضرار الفعلية الملحقة بهم. وينبغي أن نتذكر أن العديد ممن يتولون زمام الأمور في طهران حاليا عارضوا الاتفاق النووي لعام 2015 لأنهم كانوا يرغبون في الحرب، لا المفاوضات مع الولايات المتحدة، وكانوا يسعون إلى امتلاك ترسانة نووية لمنع الولايات المتحدة من مهاجمتهم أو منعهم من مهاجمة دول أخرى.

وبوضع هؤلاء في السلطة بشكل حاسم، على الأقل في الوقت الراهن، ربما جعلت الحرب التوصل إلى اتفاق نووي جديد مع إيران أكثر صعوبة مما كان عليه سابقا. وربما أقنعت الحرب فئة كانت تسعى بالفعل إلى امتلاك أسلحة نووية بأن امتلاك ترسانة نووية هو السبيل الوحيد لمنع المزيد من الهجمات الأمريكية و/أو الإسرائيلية.

وأخيرا، عززت الحرب حتى الآن التعاون بين إيران وروسيا والصين. وكان هذا التحالف الظاهري قد تآكل بشكل كبير خلال هجوم حزيران/يونيو 2025، نظرا لعدم بذل موسكو أو بكين جهدا يذكر لمساعدة طهران، مما دفع العديد من المتشددين الإيرانيين إلى التشكيك في مدى “التحالف”.

وفي هذه المرة، قدمت كل من روسيا والصين لإيران مساعدات مادية ومعلوماتية كبيرة، شملت أنظمة دفاع جوي ومكونات صواريخ وطائرات مسيرة وبيانات استهداف وغيرها من أشكال الدعم لإعادة بناء ترسانة إيران وتطويرها. ونتيجة لذلك، فقد تخرج إيران من الحرب بشراكة أكثر فاعلية مع روسيا والصين مما كانت عليه عند اندلاعها.

ولهذه الأسباب مجتمعة، يجب أن تنتهي الحرب بعد أن تظهر الولايات المتحدة للإيرانيين أنهم لا يستطيعون تعطيل الملاحة في مضيق هرمز أو شن هجمات عشوائية على دول الخليج دون عقاب. لكن إذا انتهت الحرب بطريقة تسمح للإيرانيين باستئناف أي من هذين الأمرين، فضلا عن كليهما، فإن الحرب ستجعل إيران أكثر نفوذا بكثير مما كانت عليه سابقا، بغض النظر عن الأضرار التي لحقت بقواتها الصاروخية والطائرات المسيرة والجوية والبحرية.