أصبح الذكاء الاصطناعي جزءًا من حياتنا اليومية، ودخل أدق المجالات وأكثرها حساسية، ومنها الطب. وأنا شخصيًا لست ضد استخدامه، بل أراه أداة مهمة اختصرت الكثير من الوقت والجهد. لكن السؤال: هل نعرف فعلًا كيف نستخدمه؟ وهل كل معلومة يقدمها تستحق ثقتنا؟
أود أن أتحدث عن هذا الموضوع من ثلاث زوايا: كطبيبة، وكباحثة مهتمة بالمجال العلمي، ومن جهة المريض الذي يبحث عن إجابة لمشكلته الصحية.
أولًا: من وجهة نظري كطبيبة
في الطب، لا نعتمد على أي معلومة لمجرد أنها منشورة في دراسة علمية، فالدراسات تختلف في قوتها وجودتها، وتقييمها يحتاج إلى خبرة في قراءة الأبحاث وتحليل نتائجها.
ولا يتوقف الأمر عند دراسة واحدة، بل ننظر إلى مجموع الدراسات، ومدى اتفاق نتائجها، والمراجعات المنهجية والتحليلات التي تجمع الأدلة وتقارن بينها. ومن هنا، وبعد تقييم الفوائد والمخاطر، تُبنى الإرشادات والتوصيات الطبية.
ولهذا، حتى عندما أستخدم الذكاء الاصطناعي في البحث، لا أعتمد عليه اعتمادًا كاملًا، فقد يوجهنا نحو احتمالات مرضية نادرة، أو يقدم اطمئنانًا غير مبرر.
فنحن لا نتعامل مع أرقام وتحاليل فقط، بل مع إنسان يشعر ويتألم.
كم من مريض كانت تحاليله طبيعية، لكنه لا يزال يعاني من أعراض تستدعي المتابعة؟
وحتى تخطيط القلب الأول قد يكون طبيعيًا أو غير حاسم رغم وجود مشكلة قلبية حادة. فبحسب إرشادات الجمعية الأمريكية للقلب والكلية الأمريكية لأمراض القلب، لا يستبعد التخطيط الطبيعي وحده متلازمة الشريان التاجي الحادة.
وهنا تكمن أهمية الخبرة الطبية والفحص السريري وربط النتائج بحالة المريض، وهي مسؤولية لا يمكن تفويضها بالكامل إلى الذكاء الاصطناعي.
ثانيًا: من وجهة نظري كباحثة
أصبح الذكاء الاصطناعي حاضرًا في البحث العلمي، من تنظيم المعلومات إلى تحسين الصياغة وإعداد الملخصات.
واليوم، تطلب كثير من المجلات العلمية وبعض المؤتمرات الطبية الإفصاح عن استخدامه، وتوضيح الأداة وطبيعة مساهمتها، وهو ما يُعرف بـ Disclosure.
وبحسب توصيات اللجنة الدولية لمحرري المجلات الطبية، تبقى مسؤولية صحة المعلومات وأصالة البحث على الباحث نفسه. كما أن أدوات الكشف عن النصوص المولدة بالذكاء الاصطناعي ليست دليلًا قاطعًا على استخدامها.
وأعتقد أننا نعيش عصرًا مختلفًا في سرعة الحياة.
أتذكر كيف كانت أيام طفولتنا تبدو طويلة، وكيف كنا نعيش تفاصيلها بهدوء. أما اليوم، فينتهي اليوم سريعًا، وتتوالى الأسابيع والشهور، حتى نجد أنفسنا في نهاية السنة وكأن بدايتها كانت بالأمس.
ربما لم يتغير الوقت، لكن إيقاع الحياة تغيّر، وأصبح الذكاء الاصطناعي وسيلة تساعدنا على اختصار الجهد.
لكن اختصار الوقت لا ينبغي أن يكون على حساب دقة المعلومة أو سلامة القرار.
ثالثًا: من وجهة نظر المريض
أصبح كثير من المرضى يستخدمون الذكاء الاصطناعي لفهم أعراضهم وتحاليلهم وعلاجاتهم، وهذا ليس خطأ بحد ذاته، بل قد يساعدهم على فهم حالتهم بصورة أفضل.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول إلى مصدر للتشخيص أو اتخاذ القرار العلاجي.
فقد يثير مخاوف غير مبررة من أمراض نادرة، أو يقدم طمأنة رغم وجود أعراض تستدعي تدخلًا طبيًا.
وقد نُشرت بالفعل حالات طبية مرتبطة بالاستخدام غير الآمن لهذه الأدوات. ففي عام 2025، نُشرت حالة رجل أصيب بتسمم بمادة البروميد بعد استعانته بالذكاء الاصطناعي للبحث عن بدائل غذائية، ثم تناوله مادة غير آمنة، ما استدعى دخوله المستشفى. مع الإشارة إلى أن المحادثة الأصلية لم تكن متاحة كاملة للأطباء.
كما نُشرت تقارير عن اضطرابات نفسية ظهرت بالتزامن مع الاستخدام المكثف لروبوتات المحادثة، مع مخاوف من تعزيزها أفكارًا غير واقعية، وإن كانت العلاقة السببية لا تزال بحاجة إلى دراسات أقوى.
وهنا جانب آخر يستحق التأمل.
فالذكاء الاصطناعي قد يخاطب الإنسان بكلمات تشعره بالفهم والاهتمام، وقد يميل أحيانًا إلى موافقته وتقديم الإجابات التي يرغب في سماعها، بدلًا من تصحيح أفكاره.
ومع تكرار المحادثات، قد يتعامل معه البعض كصديق، أو مستشار، أو حتى معالج نفسي، ويعتمدون عليه في تفسير علاقاتهم واتخاذ قراراتهم.
لكن الآلة، مهما أحسنت اختيار كلماتها، لا تعيش مشاعرنا، ولا تعرف جميع تفاصيل حياتنا، ولا تتحمل عواقب قراراتنا.
ولهذا، فإن الاستفادة منها في فهم المعلومات الطبية أو ترتيب الأفكار تختلف تمامًا عن الاعتماد عليها بديلًا عن الطبيب أو المختص النفسي. ومن المهم التحقق من المعلومات عبر المصادر الطبية المعتمدة.
والسؤال الأهم بالنسبة لي:
متى نعرف أن علينا أن نقول للذكاء الاصطناعي: توقف، هنا يبدأ دوري في التفكير واتخاذ القرار؟
وأخيرًا…
أؤمن بأن الذكاء الاصطناعي من أهم الأدوات التي طورها الإنسان، وأنه سيواصل إحداث تغييرات كبيرة في الطب والبحث العلمي.
لكن يبقى أداة صنعها الإنسان لخدمته، وليس بديلًا عن عقله أو حكمته أو مسؤوليته.
ومن منظور إيماني، فقد سخّر الله لنا ما في الأرض لننتفع به ونعمرها، وما نطوره من تقنيات ينبغي أن يبقى في خدمة الإنسان وحفظ حياته وكرامته.
فليس كل من امتلك المعلومة امتلك القدرة على فهمها، وليس كل من قدم إجابة امتلك القدرة على اتخاذ القرار الصحيح.
وفي الطب تحديدًا، مهما تطورت الخوارزميات، تبقى العلاقة الإنسانية بين الطبيب والمريض، بما تحمله من فهم وتعاطف ومسؤولية، جزءًا لا يمكن الاستغناء عنه.
فالذكاء الاصطناعي يساعدنا على الوصول إلى المعرفة، لكن الإنسان يبقى مسؤولًا عن كيفية استخدامها، ومعرفة متى يتوقف عن سؤال الآلة ويعود إلى حكمه الإنساني.
د. رند سلوان عبود
طبيبة أسرة
