تدخل إسرائيل خلال الساعات القليلة القادمة مرحلة “الصمت الانتخابي” الإجباري ، لكن الصخب الحقيقي يبدأ خلف الكواليس. المشهد العام لا يحتاج إلى كثير من الذكاء لتفكيكه: تقارب غير حاسم بين معسكر بنيامين نتنياهو ومعسكر غادي إيزنكوت، والكيان الصهيوني يقف مجدداً على حافة الجمود الدستوري والسياسي . لكن، وفي غمار هذا التعادل ، ثمة الاعيب تحت الطاولة تكشف عن الأزمة البنيوية للنظام السياسي الإسرائيلي. نتنياهو، الذي يوصف دائماً بـ “الساحر السياسي”، يدرك تماماً أن مفتاح بقائه في مقر رئاسة الوزراء يكمن في معادلة رياضية بسيطة: كلما انخفضت نسبة تصويت المواطنين العرب، ارتفعت القيمة النسبية لأصوات معسكره اليميني. من هنا، تتحرك ماكينة الليكود الإعلانية والنفسية ليس لإقناع الناخب العربي ببرنامجها، بل لـ “تنويمه” لكي يلزم بيته يوم الاقتراع. بالتوازي مع ذلك، يخوض نتنياهو معركة “تطهير” اليمين من الكتل الهامشية؛ حيث يتركز جهده على إسقاط القوائم الصغيرة مثل “فينتر” و”هندل” لضمان عدم هدر أي صوت يمينى خارج وعاء الليكود، مما يمنحه الصدارة كأكبر حزب منفرد يملك شرعية المبادرة بالدعوة لحكومة وحدة وطنية.
في المقابل، يقف رئيس الأركان الأسبق غادي إيزنكوت متحصناً بما يسميه المعسكر الرسمي “إجماع الأغلبية الصهيونية”. هذا التعبير ليس مجرد شعار انتخابي، بل جدار ايديولوجي لإقصاء الأحزاب العربية التقليدية (كالجبهة والتجمع) من أي مشاركة في الحكومة المقبلة. الشروط التي يرفعها إيزنكوت—خاصة تلك المتعلقة بالاعتراف بـ “يهودية الدولة” وتبني العقيدة الأمنية تجاه غزة وحركة حماس—هي شروط تعجيزية صيغت لكي تُرفض، لأن قبولها من جانب النواب العرب يعني انتحاراً سياسياً أمام جماهيرهم.و هنا يبرز الاستثناء الوحيد: منصور عباس والقائمة الموحدة. عباس، البراغماتي يحاول فصل الحقوق المدنية والميزانيات عن الصراع القومي، طارحاً أفكاراً للتكيف مثل “الخدمة المدنية”. لكن هذه المرونة قد لا تشفع له أمام السقف الأمني الصارم الذي يضعه الجنرال إيزنكوت، مما يجعل إمكانية دمجه في ائتلاف ضيق أمراً غاية في التعقيد. لقد جاء العرب—للأسف—متأخرين إلى لعبة التأثير السياسي، في توقيت أغلقت فيه النخب الصهيونية أبواب النظام تماماً بعد صدمة السابع من اكتوبر وكأحد نتائجها غير المباشرة على الشارع العربي في الداخل ، إذن، أين تتجه البوصلة إذن؟
نحن أمام مسارات معقدة بعد الانتخابات: إما أن يركب إيزنكوت رأس الرفض، وتدخل البلاد تلقائياً في فترة الـ 90 يوماً الدستورية لإعادة الانتخابات في شهر أبريل المقبل، وهي فترة تعني بقاء نتنياهو رئيساً لحكومة تسيير أعمال يملك خلالها الوقت للمناورة. او ان يتمكن إيزنكوت من الحصول على تفويض لحكومة أقلية تحميها الكتلة العربية من الخارج دون ان تدخل في الحكومة وهذا احتمال ضعيف
يبقى السيناريو الأكثر واقعية: “حكومة وحدة وطنية” تقوم على مبدأ التناوب الإجباري؛ يستمر بموجبها نتنياهو عامين مستنداً إلى شرعيته الحالية، ليعقبه إيزنكوت لعامين آخرين، طبعا هذا يتطلب حصول نتنياهو والليكود على عدد وازن من المقاعد يؤهله للإستمرار بزعامة الليكود بعد الانتخابات ولهذا نلاحظ لأول مرة لجوء الساحر للتنصل من بن غفير ومحاولة الحصول على اصوات جمهوره !
في المحصلة، تثبت هذه الجولة الانتخابية أن النظام السياسي الإسرائيلي بعد السابع من اكتوبر بات أسيراً لحلقتين مفرغتين: حلقة الاستعصاء العددي بين الجنرال والساحر، وحلقة الإقصاء الهيكلي لـ 20% من مواطني الدولة. وخلف الستار، يبقى نتنياهو المستفيد الأكبر من الوقت الضائع.
و بينما ينشغل الجنرال والساحر بـ “عض الأصابع” الانتخابي، سيدفع الاقتصاد الإسرائيلي الفاتورة الأقسى وسط عجز ميزانية متفاقم، وهروب متواصل للاستثمارات الأجنبية، وتراجع حاد في الثقة الدولية بقطاع التكنولوجيا الحيوية الحساس. وإقليمياً، سيضع هذا الشلل الدستوري إسرائيل في مربع التردد الإستراتيجي ( مرحلة انتظار ) لا تحالفات متماسكة ولا قرارات مصيرية في ملفات المنطقة الساخنة، مزيدا من الوقت الضائع في دوامة الشرق الاوسط ولا غالب إلا الله
