النقاش السياسي العربي بين العقل والغرائز

خلال 57 عاما على مقاعد الدرس والتدريس في ميدان العلوم السياسية، لم تساعدني الثقافة العربية على “موضوعية” النقاش، ولتوضيح فكرتي ساقدم مثالا على النقاش السياسي بين حركتين سياسيتين في العالم العربي ،احدهما حركة الاخوان المسلمين والأخرى الناصريون، فكل منهما لا يرى في الآخر الا العيوب فقط، ولا يرى في نفسه الا المحاسن ،

ولم يتمكنا رغم عشرات السنين من تطوير معادل اخلاقي للكراهية السياسية مع الاحتفاظ بالموقف السياسي لكل منهما .
وسأعطي مثالا لتوضيح فكرتي:
اولا: الاخوان في مواجهة الناصريين:
لم اعثر مثلا على قدر كاف من ادبيات الاخوان المسلمين تتحدث عن السد العالي –كمثال على انجاز ناصري -، لذلك قررت ان اسال احد المختصين السؤال التالي: لو ان الكهرباء التي ينتجها السد العالي تنتجها مصر من خلال شراء البترول ،فكم هي القيمة النقدية (ولا اريد الدخول في الآثار الاخرى في الزراعة ..الخ)، فأجابني هذا البروفيسور دون ان يعرف خلفية سؤالي بما يلي:
“لو افترضنا ان مصر تولد الكهرباء بمحطة حرارية ، وقارنها بالسد العالي، فان النتيجة هي: معروف ان السد العالي يولد حوالي 29 مليون كيلو واط ساعة كهرباء، ولانتاج هذه الكمية من الكهرباء من محطة حرارية بكفاءة 40%( مع بعض التباين في انواع المحطات النفطية بسيطة الدورة او البخارية او المركبة..الخ)،فان مصر بحاجة لحوالي 46 الف برميل نفط يوميا ، وهو ما يعادل بالسعر الحالي لبرميل النفط حوالي مليار و620 مليون دولار سنويا.
ترى اليس هذا انجازا للناصرية؟ لماذا يغيب عن ادبيات الاخوان هو او غيره من تعليم مجاني ..الخ.
ثانيا: الناصريون في مواجهة الاخوان:
في الانتخابات الرئاسية الناصرية كانت النتائج النهائية التي كان عبد الناصر يطلع عليها ويُقرها هي ذاتها تقريبا وهي 99.99% دائما ،ويكفي ان اقدم النماذج التالية:
انتخاب عبدالناصر رئيسا في 23 يونيو 1956 كانت النتيجة 99.9% في صدر الاعلام المصري وبخاصة الاهرام.
21 فبراير 1958 انتخاب عبد الناصر رئيسا للجمهورية العربية المتحدة بنتيجة 99.99%
15 مارس 1965 اعيد انتخاب ناصر رئيسا بنسبة 99.999%
استفتاء على برنامج 30 مارس 1968(بعد هزيمة يوينو 1967) كانت النتيجة 99.99%
لكن مراجعة ادبيات الناصريين لم تسال إن كان عبد الناصر إلهاً ليحظى بكل هذا ، فحتى الله عارضه الشيطان، ثم هل كان عبد الناصر نفسه “مصدقا ومقتنعا ” بصحة هذه النتائج ونزاهتها رغم استحالتها تماما ،فهي نتائج مزورة بلا شك، فلماذا اقرها ناصر ؟ لا يمكن لعاقل او شبه مجنون ان يصدقها، لكن عين الرضا عن كل عيب كليلة.
فرق كبير بين العقل والغرائز، ومع اقراري ان الانسان مجبول من كليهما، لكن الفارق في التطور هو في فارق نسبة وزن العقل والغريزة في سلوك كل انسان.
سبق وان اشرت لزيارتي للمرحوم عمر التلمساني اثناء اعدادي لاطروحة الدكتوراة، واخبرني كيف كان مسجونا في زنزانة مقابلها شيوعي يقبع في زنزانة اخرى، وراى التلمساني تعذيب الشيوعي وبقسوة مفرطة لكنه رفض التراجع عن موقفه، وهنا قال لي التلمساني عبارة اعيدها للقارئ الكريم :
” والله يا ابني قلت لنفسي ،انا كنت اظن ان الشيوعي جاسوس للاتحاد السوفييتي ، طيب هو الجاسوس بكون عاوز ايه؟ يا عايز فلوس او منصب او نسوان..بس ده عرضوا عليه كل حاجة ومش عايز يتراجع ”
ثم يكمل التلمساني ” وقعت بيدي بقايا عود كبريت صغير على ارض الزنزانه ، فكتبت على الجدار بخط قليل الوضوح ” يبدو ان هناك اكثر من طريقة لحب مصر”….
هل وصلت رسالتي؟ ربما.