من فوضى النظام إلى نظام الفوضى: الذكاء الاصطناعي وإعادة تشكيل بنية القوة الدولية

لم يعد الذكاء الاصطناعي يمثل مجرد مرحلة متقدمة في مسار الثورة الرقمية، ولا مجرد أداة جديدة تضاف إلى ترسانة الدول الاقتصادية والعسكرية والمعلوماتية، بل أخذ يتحول تدريجيا إلى بنية تحتية لإنتاج القوة ذاتها، بما يفرض إعادة النظر في الافتراضات التي قامت عليها الاستراتيجية الدولية خلال القرن العشرين. فالمسألة لم تعد تتعلق فقط بقدرة الآلة على تنفيذ ما يطلبه الإنسان بسرعة ودقة أكبر، وإنما باحتمال انتقالها تدريجيا إلى المشاركة في تحديد كيفية تنفيذ المهمة، ثم اقتراح طرق جديدة لإنجازها، ثم المساهمة في تطوير الأدوات التي ستتولى تنفيذ المهام اللاحقة. وهنا تبدأ نقطة التحول الاستراتيجي الحقيقية؛ إذ يصبح الذكاء الاصطناعي ليس مجرد نتاج للتقدم التكنولوجي، وإنما أحد محركات تسارعه.

وتكمن أهمية هذا التحول في أن القوة الدولية كانت تاريخيا تقوم على امتلاك الدولة لموارد يمكن قياسها نسبيا: الأرض والسكان والاقتصاد والصناعة والطاقة والجيش والسلاح. ثم أضاف العصر النووي متغيرا حاسما هو القدرة على إحداث دمار يفوق قدرة الدولة على احتماله، فبُني الردع النووي على معادلة عقلانية تقوم على وضوح نسبي في هوية الفاعل وقدراته وتكلفة الفعل وعواقبه. أما الذكاء الاصطناعي فيدخل إلى بنية القوة من مدخل مختلف؛ فهو لا يضاعف القوة المادية فقط، وإنما يضغط الزمن الذي تنتقل فيه المعلومة إلى معرفة، والمعرفة إلى تقدير، والتقدير إلى قرار، والقرار إلى فعل. وبذلك يصبح التفوق الاستراتيجي مرتبطا ليس فقط بمن يمتلك القوة الأكبر، وإنما بمن يستطيع إنتاج القرار الأسرع والأدق والأكثر قدرة على التكيف. ومن هنا يتحول الزمن ذاته إلى مورد استراتيجي، ويصبح «تفوق الإيقاع» أحد التعبيرات الجديدة عن التفوق في النظام الدولي.

غير أن الخطر الأكثر عمقا لا يكمن في تسريع دورة القرار وحدها، بل في احتمال دخول الذكاء الاصطناعي إلى دورة إنتاج الذكاء الاصطناعي نفسه. فطالما كان الإنسان يحدد المشكلة، ويصمم التجربة، ويكتب البرمجيات، ويحلل النتائج، ثم يقرر كيف ينتقل إلى الجيل التالي من التكنولوجيا، كان مسار التطور التكنولوجي مرتبطا بالإيقاع البشري. أما عندما تصبح الأنظمة قادرة على تنفيذ أجزاء متزايدة من هذه الدورة، فإن العلاقة تبدأ في التغير من «الإنسان يطور الآلة» إلى «الإنسان والآلة يطوران الآلة»، ثم تبرز في الأفق النظري إمكانية مرحلة يصبح فيها النظام قادرا على تصميم بعض جوانب خليفته وتحسين آليات التطوير نفسها. وهذا هو جوهر مفهوم التحسين الذاتي التكراري؛ وليس المقصود به أن الآلات الحالية أصبحت قادرة على إعادة بناء نفسها بصورة مستقلة، بل أن اتجاه التطور قد يقود إلى حلقات تغذية راجعة يصبح فيها الذكاء الاصطناعي مساهما متزايد الأهمية في تطوير أجيال لاحقة من الذكاء الاصطناعي. وتشير دراسات حديثة إلى أن الباحثين يختلفون بشدة في توقيت تحقق هذا السيناريو وإمكان حدوثه على نطاق واسع، إلا أن أتمتة البحث والتطوير في مجال الذكاء الاصطناعي أصبحت بالفعل موضوعا جديا في نقاشات المخاطر الاستراتيجية.

وهنا يتغير معنى السباق التكنولوجي بصورة جوهرية. ففي سباقات التسلح التقليدية كانت الدولة التي تنفق أكثر وتنتج أكثر وتطور أسلحة أفضل تمتلك فرصة أكبر في تحقيق التفوق، لكن الفاصل الزمني بين الابتكار والإنتاج والانتشار كان يوفر مجالا للمراقبة والاستجابة والموازنة. أما إذا أصبحت الذكاء الاصطناعي قادرا على تسريع البحث والتطوير نفسه، فإن سباق القدرات قد يتحول من سباق بين منتجات إلى سباق بين معدلات التعلم والتطوير. وعندئذ لا تكون المشكلة في أن دولة ما تمتلك نموذجا أكثر قدرة من دولة أخرى، وإنما في أنها تمتلك قدرة على تطوير نموذجها التالي بوتيرة أسرع من قدرة الآخرين على اللحاق بها. وهذه النقلة تنقل مفهوم التفوق من امتلاك «المستوى الأعلى» إلى امتلاك «معدل التقدم الأعلى»، وهو تحول يحمل آثارا مباشرة على التراتبية الدولية وعلى طبيعة المنافسة بين القوى الكبرى.

ومن هذه الزاوية يمكن فهم مخاوف المقارنة بين الذكاء الاصطناعي والسلاح النووي بصورة أكثر دقة؛ فالنووي يمثل ذروة القوة التدميرية المركزة، بينما يمثل الذكاء الاصطناعي نوعا مختلفا من القوة يتمثل في القدرة على تسريع المعرفة والقرار والتنفيذ. لكن الذكاء الاصطناعي قد يكون أكثر تعقيدا من حيث صعوبة احتوائه، بسبب طبيعته مزدوجة الاستخدام، وانتشاره عبر القطاع التجاري والعلمي والعسكري، وإمكان دمجه في عدد هائل من الأنظمة. والأهم أن خطورته يمكن أن تتراكم بصورة تدريجية بدل أن تظهر في لحظة واحدة. فقد يؤدي إدخاله في أنظمة الإنذار والاستطلاع والقيادة والسيطرة إلى ضغط الزمن المتاح أمام صانع القرار، وقد يؤدي إدخاله في منظومات عسكرية غير نووية إلى تأثيرات غير مباشرة في الاستقرار النووي. وقد حذرت دراسات SIPRI من أن تسريع دورات القرار أو زيادة الاعتماد على أنظمة غير شفافة يمكن أن يزيد مخاطر سوء التقدير والتصعيد غير المقصود، حتى عندما لا يكون الذكاء الاصطناعي جزءا مباشرا من منظومة السلاح النووي.

وهنا تظهر مفارقة استراتيجية شديدة الأهمية؛ فالذكاء الاصطناعي قد يستخدم لتحقيق الاستقرار وفي الوقت نفسه لإنتاج عدم الاستقرار. فهو قادر على تحسين الإنذار المبكر وتحليل البيانات وتعقب التهديدات وتقليل الأخطاء البشرية، لكنه قد يدفع الخصوم في المقابل إلى الاعتقاد بأن الطرف الآخر يمتلك قدرة أكبر على اكتشاف قدراتهم أو تحييدها، الأمر الذي قد يزيد حوافز الضربة الاستباقية في أوقات الأزمات. وهكذا تتحول التكنولوجيا من أداة لتحسين الأمن إلى عامل قد يعيد إنتاج معضلة الأمن على مستوى أعلى. إن المشكلة ليست فقط فيما تستطيع الخوارزمية معرفته، بل فيما قد يدفع الآخرين إلى فعله اعتقادا منهم بما تستطيع الخوارزمية معرفته. وهذه هي إحدى أكثر خصائص البيئة الاستراتيجية الخوارزمية تعقيدا: الإدراك بقدرة الخصم قد يكون له أثر استراتيجي مماثل للقدرة ذاتها.

ومن هنا يصبح الانتقال من «فوضى النظام» إلى «نظام الفوضى» مفهوما يتجاوز البلاغة اللغوية ليشير إلى تحول بنيوي محتمل. فالفوضى الدولية التقليدية هي نتيجة غياب سلطة مركزية فوق الدول، لكنها ظلت قابلة نسبيا للقراءة من خلال توزيع القوة والتحالفات والردع ومصالح الدول. أما «نظام الفوضى» فيشير إلى بيئة تصبح فيها الفوضى نفسها أكثر تنظيما بواسطة الشبكات والخوارزميات؛ حيث يمكن إنتاج المعلومات المضللة آليا، واكتشاف نقاط الضعف بسرعة، وتوجيه عمليات التأثير، وأتمتة أجزاء من الحرب السيبرانية، وتسريع القرار العسكري، وتطوير أدوات جديدة بوتيرة متزايدة. أي أن الفوضى لا تعود مجرد حالة تنتج عن غياب التنظيم، وإنما تصبح نتيجة محتملة للتنظيم الخوارزمي المفرط عندما تتجاوز سرعة الأنظمة قدرة المؤسسات السياسية والقانونية على الفهم والضبط.

والأخطر من ذلك أن انتقال الذكاء الاصطناعي من أداة إلى شريك في إنتاج المعرفة يضع مفهوم السيطرة البشرية أمام اختبار غير مسبوق. فالمشكلة المستقبلية قد لا تكون أن الآلة «تتمرد» على الإنسان بالمعنى السينمائي، وإنما أن الإنسان يصبح غير قادر على مواكبة التعقيد والسرعة والاعتماد المتبادل الذي نشأ عن الأنظمة التي بناها بنفسه. ولهذا فإن السؤال الاستراتيجي الأكثر أهمية ليس: هل سيصبح الذكاء الاصطناعي واعيا؟ بل: هل ستظل المؤسسات البشرية قادرة على فهم القرارات التي تعتمد بصورة متزايدة على أنظمة لا تستطيع تفسير جميع عملياتها الداخلية، وعلى التحكم في سرعة تطورها؟ وهنا تتقاطع قضية الذكاء الاصطناعي مع قضية الحوكمة؛ إذ لا تكفي عبارة «الإنسان داخل الحلقة» إذا كان وجوده شكليا بينما تتجاوز سرعة النظام قدرته على التحقق والمراجعة. وقد دعت دراسات متخصصة بالفعل إلى الانتقال من مجرد التأكيد على وجود الإنسان في الحلقة إلى تحديد مستوى ونطاق السيطرة البشرية بصورة عملية وقابلة للقياس، خصوصا في السياقات النووية والعسكرية.

وبذلك يمكن القول إن التحول الأكثر أهمية الذي يفرضه الذكاء الاصطناعي على التفكير الاستراتيجي لا يتمثل في ظهور سلاح جديد، وإنما في احتمال ظهور منظومة جديدة لإنتاج القوة. ففي عالم القوة التقليدية كان امتلاك السلاح شرطا للتفوق، وفي العصر النووي أصبح امتلاك القدرة على الردع شرطا للبقاء، أما في العصر الخوارزمي فقد يصبح امتلاك القدرة على التعلم والتنبؤ والتكيف وتسريع إنتاج القدرات شرطا للتفوق. وإذا وصلت الأتمتة في البحث والتطوير إلى مستوى يجعل الذكاء الاصطناعي مساهما جوهريا في تطوير أجياله اللاحقة، فإن البشرية لن تواجه فقط مشكلة التحكم في أداة قوية، وإنما مشكلة التحكم في معدل تطور الأداة نفسها. وهذا هو المعنى الأعمق للانتقال من فوضى النظام إلى نظام الفوضى: أن الخطر لم يعد بالضرورة أن ينهار النظام الدولي، وإنما أن يستمر في العمل بينما تتغير داخله سرعة إنتاج القوة ومصادرها وفاعلوها وآلياتها بصورة تتجاوز القواعد التي صممت لضبطها. ولذلك فإن التحدي الاستراتيجي الحقيقي للمرحلة المقبلة لن يكون منع الذكاء الاصطناعي من التطور، وهو أمر غير واقعي، وإنما بناء قدرة بشرية ومؤسسية على موازنة سرعة الابتكار بسرعة الحوكمة، وعلى إبقاء القرار المصيري خاضعا للمساءلة البشرية، وعلى منع السباق نحو الذكاء من التحول إلى سباق نحو فقدان السيطرة. فالمعضلة القادمة قد لا تكون أن الآلة أصبحت أقوى من الإنسان، وإنما أن الإنسان بدأ يبني نظاما تتطور فيه القوة بسرعة أكبر من قدرته على إعادة تعريف حدودها؛ وعند تلك النقطة لا تعود الفوضى مجرد غياب للنظام، بل يصبح النظام نفسه قادرا على إنتاج فوضاه الخاصة.