“غي ديبور: مجتمع الاستعراض في عصر إنستغرام”

لم تعد الصورة تأتي بعد الواقع لتخبرنا بما حدث، بل باتت تسبقه وتحدد كيف ينبغي أن يحدث. لم نعد نلتقط اللحظة لأننا عشناها، بل نعيشها أحيانًا كي نلتقطها. صار الإنسان ينظر إلى حياته بعين متفرج، يراقب نفسه وهو يحب، ويسافر، ويأكل، وينجح، ويحزن؛ كأن جمهورًا خفيًا يجلس في مكان ما، ينتظر منه أن يؤدي دوره على أفضل وجه.

لا أدري كيف نجحت منصات التواصل الاجتماعي، كعصافير تويتر وسماوات فيسبوك الزرقاء، في إقناع البشرية بهذه الثقافة المجنونة؛ كيف أفلحت هذه التكنولوجيا في تحويل الهواتف النقالة إلى مسارح، وفي تحويل البشر أنفسهم إلى ممثلين، حتى صار لكل شخص مسرحه الخاص، يستعرض فيه حياته المصطنعة وتفاصيلها أمام جمهور لا يكل من النظر. الكل يلهث لجذب الانتباه ونيل الإعجاب، وكأن الوجود نفسه لم يعد كافيًا ما لم يحظَ بشهادة الآخرين. وهنا نتساءل: ماذا تبقى من الإنسان حين تصبح قيمته مرتبطة بما يراه الآخرون فيه؟

إن هذا السؤال، وإن بدا وليد اللحظة الرقمية، فقد طرح الفيلسوف غي ديبور نظريته قبل أكثر من نصف قرن، حين كشف في كتابه «مجتمع الاستعراض» عن تحول عميق في المجتمع الحديث. فالاستعراض عند ديبور ليس مجرد وفرة من الصور، ولا مهرجانًا بصريًا تحاصرنا مشاهده ؛ إنه علاقة اجتماعية يتوسطها التمثيل. الصورة لا تكتفي بعرض الواقع، بل تتدخل في تشكيل علاقتنا به. لذلك لم يكن يصف عالمًا من الشاشات بقدر ما كان يفكك نظامًا يجعل الظهور بديلًا للحضور، والمشاهدة بديلًا للمشاركة .

وفي ضوء ذلك، تتمثل الفكرة الأساسية في أطروحة ديبور في هذاالانتقال :من الكينونة إلى الامتلاك، ثم من الامتلاك إلى الظهور. لم يعد كافيًا أن يكون الإنسان شيئًا أو أن يملك شيئًا؛ عليه أن يعرض ما يكونه وما يملكه. وفي مجتمع الاستعراض تتحول القيمة إلى ما يمكن إظهاره وتداوله ومقارنته. يصبح النجاح عرضًا للنجاح، والسعادة مشهدًا للسعادة، وحتى الحزن قابلًا للتحول إلى مادة تستجدي التعاطف. عندها لا تعود الصورة مرآة للإنسان، بل يبدأ الإنسان في إعادة تشكيل نفسه وفق متطلبات الصورة.

وتؤكد وسائل التواصل الاجتماعي راهنية فكرديبور، من دون أن تجعله عرّافًا تنبأ بإنستغرام. فالشاشة اليوم مسرح يعرض فيه الفرد ذاته ويقيس حضوره بالأرقام. يتحول الإعجاب والمتابعة إلى مؤشرات للقيمة، فيدفعه ضغط خفي إلى تعديل مظهره ولغته واختياراته بما يضمن قابلية أكبر للعرض. يصبح السؤال: ماذا أريد؟ أقل حضورًا من سؤال آخر: كيف سأبدو في عيون الآخرين؟ فالإنسان لا يكتفي بمراقبة الآخرين، بل يبدأ بمراقبة نفسه كما لو كان شخصًا آخر. يقارن حياته الواقعية بحيوات منتقاة بعناية، وينسى أن الصورة لا تعرض الحياة كاملة، بل نسخة مصممة منها. وفي هذا المعنى، تلتقي أطروحة ديبور مع البعد النفسي الذي أشار إليه أدلر في حاجة الإنسان إلى إثبات ذاته ونيل الاعتراف؛ غير أن الاستعراض يمنح هذه الحاجة مسرحًا دائما.

ويضع هذا التحول طبيعة الإنسان موضعَ تأمل؛ فإذا كان فرويد قد نظر إلى الإنسان بوصفه كائنًا تحرّكه غرائزه ورغباته، فإن الإنسان الرقمي يفرض سؤالًا آخر: ماذا لو أصبحت نظرة الآخر جزءًا من البنية التي تحرّكنا؟ لم يعد المجتمع مجرد محيط يعيش الإنسان داخله؛ لقد أصبح، بفعل الفضاءات الافتراضية، حاضرًا داخله، يتسلل إلى ذوقه ومظهره ولغته وطموحه، وحتى إلى تعريفه للنجاح. وهنا تصبح الهوية مشروعًا دائمًا لإعادة تشكيل الذات وفق ما يريده الجمهور.