لم تعد تجارب المريض في النظم الصحية الحديثة تفصيلًا ثانوياً يُكتب على هامش تقارير الجودة، ولا استبيانًا يُستكمل عند نهاية الزيارة ثم لا يلتفت اليهمع بقية الأرقام. لقد أصبحت تجربة المريض، في جوهرها، مرآة تكشف ما قد تحجبه المؤشرات التقليدية: نضج الحوكمة، وفاعلية القيادة، وجودة التواصل، وتماسك فرق العمل، ومدى قدرة مؤسسات الرعاية الصحية على أن تضع الإنسان في مركز الرعاية فعلًا لا شعارًا.
فجودة الرعاية، كما تؤكد على ذلك منظمة الصحة العالمية، لا تقتصر على الفعالية والسلامة، بل تشمل أيضًا أن تكون الخدمة متمركزة حول الانسان، وفي الوقت المناسب، ومنصفة، ومتكاملة، وكفؤة. وهذا التحول في فهم الجودة يفسر لماذا أصبحت تجارب المرضى جزءًا أصيلًا من تقييم أداء الأنظمة الصحية حول العالم، باعتبارها مصدرًا مهمًا لفهم ما يجري داخل المؤسساتنفسها، بالاضافة لكونها مقياسًا للرضا.
فالمريض يرى ما قد لا تراه لوحات المؤشرات، يلاحظ تأخر الاستجابة، وتكرار الإجراءات، وتضارب المعلومات، وضعف التنسيق بين الفرق، وغموض الخطة العلاجية، كما يلتقط مستوى الاحترام، ووضوح التواصل، والخصوصية، والشعور بالأمان. وهذه التفاصيل لا تُختزل في الانطباع الشخصي؛ بل قد تكشف عن خلل في تصميم الخدمة أو ضعف في الثقافة التنظيمية أو فجوات في الحوكمة.
وتشير الأدبيات الحديثة إلى أن المؤسسات الصحية التي تحقق نتائج أفضل في تجارب المرضى غالبًا ما تتشارك خصائص واضحة: قيادة ميدانية قريبة من المراجع، بيئات عمل صحية، مشاركة فعالة للكوادر في صنع القرار، ثقافة تعاونية، أنظمة معلومات ناضجة، وآليات واضحة لتحويل الملاحظات إلى تحسينات قابلة للقياس.
لكن الإشكال الحقيقي يبدأ حين تتحول تجارب المرضى إلى ارقام يتم جمعها دون ان يتم استخدامها !
فهناك فارق كبير بين مؤسسات تقيس التجربة، ومؤسسات تتعلم منها. الأولى تعرض النسب والمتوسطات، أما الثانية فتسأل: لماذا حدث هذا؟ أين تتكرر المشكلة؟ ما العامل او العوامل التي تقف خلفها؟ من يملك مسؤولية التصحيح؟ وكيف نعرف أن التدخل صنع فرقًا؟
فالقياس بلا فعل لا يخلق جودة، والاستبيانات التي لا تقود إلى تحليل،ومساءلة، واعادة تصميم للمسارات، قد تتحول إلى مجرد روتين إداري يحقق الامتثال ولا يحقق التحسين.
والأهم أن تجارب المرضى لم تعد تُقرأ فقط من زاوية الراحة أو الرضا لديهم، بل من زاوية السلامة أيضًا. فالمريض قد يلتقط خللًا في التواصل أو التنسيق قبل أن يظهر في المؤشرات الرسمية للمؤسسة، وقد يكشف عن فجوات في استمرارية الرعاية، أو أخطاء قريبة من الوقوع. وبهذا يصبح المريض ليس فقط متلقياً للرعاية الصحية، بل شريكًا مهما في اكتشاف المخاطر.
ومن هنا، فإن المؤسسات الصحية الناضجة ليست تلك التي تتلقى أقل عدد من الملاحظات، بل تلك التي تمتلك ثقافة تسمح بسماعها، و إدارة تمتلك شجاعة مناقشتها، وانظمة عمل قادره على تحويلها إلى فعل.
لذلك، ربما لم يعد التساؤل الاهم هنا هو، كم بلغت نسبة رضا المرضى؟ بقدر ما يجب ان يكون، ماذا تكشف تجارب المرضى عن حقيقة سير العمل فيالمؤسسات؟
فقط حين نطرح السؤال بهذه الصيغة، تتحول تجارب المرضى من مجرداستبيان وارقام في نهاية الخدمة او الزيارة،إلى أداة تشخيص لنضج الحوكمة، وجودة الثقافة السائدة، وصدق المؤسسات مع رؤاها واستراتيجياتها.
Mestarihihashem@gmail.com
