يرى رايان جاكوبس، الرئيس التنفيذي لشركة “كاردينال 40” للاستشارات، وسبق أن عمل كاتب خطابات لجانيت يلين وبيل غيتس وآخرين، أن من الرائع أن تساعد روبوتات الذكاء الاصطناعي من لا يجيدون الكتابة على قول ما يريدون، مقابل جزء يسير من كلفة الاستعانة بكاتب محترف يكتب لهم من وراء الستار.
يبدو أن من قوانين الحياة في القرن الحادي والعشرين أن كل تقنية جديدة ندخلها حياتنا تأتي معها بطريقة جديدة لإحراج أنفسنا. اسألوا عمي الأكبر هوارد، الذي خلط ذات مرة بين خانة تحديث الحالة على “فيسبوك” ومربع البحث في “غوغل”، وهو يبحث عن “أطعمة تزيد الرغبة الجنسية لدى النساء فوق سن الستين”، وهو ما لم يرق لزوجته الثالثة.
بهذا المقياس، لا تكاد المقالة التي كتبها ستانلي دراكنميلر بمساعدة الذكاء الاصطناعي، ونشرتها “وول ستريت جورنال” أخيرا، تستحق كل هذه الضجة. كتب بول غيغو، محرر صفحة الرأي في الصحيفة، ردا على موجة الاستنكار أن “كثيرا ممن ينشرون مقالاتهم في الصحيفة، ولا سيما السياسيون البارزون والرؤساء التنفيذيين، يستعينون بكتاب خطابات. فكيف يختلف ذلك عن استخدام الذكاء الاصطناعي لتبسيط كتابة مقال؟” وفي عالم مثالي، لن يكون الفارق كبيرا.
هذه نظرة عبثية ونخبوية إلى عالم الكتابة، وقد أفرزت سوقا صغيرة من الأدوات التي تتصرف كأنها “شرطة للكلمات”، مثل تقنيات العلامات المائية في “كلاود” وأنظمة “بانغرام” التي تقدّر مدى احتمال أن يكون النص مكتوبا بالذكاء الاصطناعي، لكن أيا منها لا يريك كيف تجعل مسودتك أقوى أو لغتك أفضل، فوظيفتها، في النهاية، أقرب إلى التوبيخ منها إلى المساعدة: “أنت تكتب بطريقة خاطئة. أنت تغش. تحسن”!
لكن كيف تكتب بصورة أفضل إذا كنت لا تعرف أصلا كيف تبدو الكتابة الجيدة؟ وإذا لم يرِك أحد من قبل كيف تخرج فكرة من رأسك وتضعها على الصفحة؟
حين يدفع رئيس تنفيذي 15 ألف دولار أو أكثر لكاتب محترف كي يعد له مقالا للرأي، وهو السعر المتداول في هذا المستوى من الكتابة، فإنه لا يدفع ثمن الكلمات وحدها.
وربما كان دراكنميلر يتمنى الآن لو أنه دفع هذا المبلغ، كثيرون يظنون أنهم يستعينون بشخص يتولى عنهم صياغة النص، لكن خبرتي تقول إن الجزء الأهم من العمل يسبق الكتابة نفسها: طرح الأسئلة، واستخراج الفكرة، وترتيبها، والعثور على الزاوية التي تستحق أن يقال منها المقال.
قبل ثلاثة أعوام، استعان بي أحد الذين شاركوا في تطوير التقنية التي أصبحت لاحقا آلة تصوير “زيروكس”، طالبا مني كتابة خطاب تَخَرُج، وخلال مقابلة طويلة عبر “زووم”، أخذت أسأله بإلحاح عن حياته: “كيف درس الكيمياء وكاد أن يفجر نفسه، وكيف التحق بعد ذلك بكلية الحقوق، وكيف كان والده يعزف الكمان ضمن فرقة حجرة في برلين مع فيزيائي شاب يدعى ألبرت أينشتاين”. قصص متناثرة تبدو عشوائية، لكن خلال تلك الساعة، بدأ الخيط الذي يجمع بينها يتضح لنا نحن الاثنان.
“الماغنيسيوم والحديد، كل منهما على حدة، مملان”، هكذا بدأت الفقرة التي شكلت ذروة الخطاب الذي كتبناه معا، “لكن سخن الحديد حتى ينصهر، ثم أضف إليه الماغنيسيوم، فتحصل على ألعاب نارية”. وكان القانون والكيمياء بدورهما مجالين جافين، إلى أن جمع بينهما فقاداه إلى براءة اختراع.
وحين كان أينشتاين يحاول فك ألغاز الكون، كان يعزف الكمان بحثا عن الإلهام، وقد رأى والد الرجل ذلك بعينيه، وقال: “قلة قليلة منا من طينة أينشتاين. لكن بوسعنا أن نفعل ما فعله: أن نعثر على الإلهام عند تقاطع الأشياء”.
هذا هو عمل كُتاب الخطابات. نضع أمام الناس مرآة يرون فيها حياتهم وأفكارهم على نحو جديد، وهذا هو الوعد الكبير الذي تحمله الكتابة بمساعدة الذكاء الاصطناعي: أن تضع في متناول الجميع قدرة تحريرية هائلة كانت متاحة تقليديا لمن يستطيعون دفع أجر كاتب محترف.
لكننا لا نزال بعيدين جدا عن ذلك. فمقابل 20 دولارا شهريا، يظل اشتراك “Claude Pro” بالنسبة إلى معظم الناس أفضل بديل متاح لكاتب خطابات حقيقي، ومع ذلك يظل فاشلا على نحو مزرٍ في فن الاستجواب. اطلب منه أن يجادلك، وسيفعل ذلك لبعض الوقت، لكن هذه الأنظمة مصممة كي تكون موافقة ومسايرة، وهي تخضع بعد تدريبها الأساسي لمراحل إضافية تجعلها تنتج الإجابات التي يفضلها البشر وأنظمة التقييم الآلية. إنها متملقة ذات حصيلة لغوية هائلة.
وربما يكون أفضل تشبيه للذكاء الاصطناعي ليس الكهرباء أو النار أو الإنترنت، وإنما اختراع الزراعة قبل 12 ألف عام، فمنذ أن أصبح غذاؤنا رهنا بالمحصول، ارتبطت حياتنا ومماتنا بقطعة محددة من الأرض.
كتب المؤرخ يوفال نوح هراري: “نحن لم ندجن القمح. القمح هو الذي دجننا”. ومن المفارقات البالغة أن هذه العبارة، على براعتها، تبدو تماما كأن الذكاء الاصطناعي كتبها، ولا ينبغي لأحد أن يكترث.
الخطر مع الذكاء الاصطناعي مشابه: الأداة التي توسع قدرتنا على إنتاج النصوص قد تضيق قدرتنا على وضع فكر حقيقي خلفها. عالم تكثر فيه الكلمات وتزداد فراغا.
وبدأت تظهر، ببطء، برمجيات تحاول معالجة هذه المشكلة والعمل على نحو أقرب إلى طريقة كاتب الخطابات. دان وانغ، وهو أستاذ سابق لي في كلية كولومبيا للأعمال، رأى “تشات جي بي تي” يقدم لطلابه إجابات سهلة وجاهزة، فبنى برنامجا يجادلهم بدلا من أن يناولهم الإجابة.
وحاولت أنا أيضا التصدي للمشكلة. فأنشأت معالج نصوص يعتمد على الذكاء الاصطناعي، ويلزم المستخدم بكتابة بضع مئات من الكلمات على الأقل قبل أن يبدأ في محاورته بالطريقة التي أحاور بها العميل، لكن المشروع مجمد إلى حد بعيد. فقد ظل البرنامج عالقا عند الكلمات التي كتبتها على عجل، بدلا من أن يسألني لماذا أردت كتابتها أصلا. حينها أدركت أنني بنيت أداة تستجوب الصفحة لا صاحبها، وهو الخطأ نفسه الذي تقع فيه “شرطة الكلمات”.
