صباحا تابعتُ إعلاناً لأحد الممثلين من كبار السن؛ بعدها انشغلت وحاولتُ تجاهل الموضوع؛ ولكنه مازال يلح على رأسي كي اكتبه..
كيف يدمر الواقع الثقافي الصورة الرمزية للعراق؟ ذلك لأن الثقافة لدينا هي في آخِر سلم الاهتمامات، حتى المجتمع عندما تطيب نفسه؛ يسخر من ” المثقفين”!
رجل كبير بالسن، يظهر في إعلان بائس، كم تتوقعون أن يعطونه أجراً؟ ربما تفاليس.. لكن
ثمن معالجة أثر هذا الإعلان باهضة جداً، لأنه في كل مرة تنكسر صورة الفنان تنكسر صورة البلد؛ الفنانون هم القوة الناعمة؛ عندما تغيب السلطة او تضعف، يحلون محلها؛ لأنهم معرفون للناس؛ مألوفون، قادرون على جمع الناس حولهم في الأزمات..
بعد نكسة ١٩٦٧، قامت ام كلثوم بجولات غنائية لدعم الجيش المصري، قيل إن ما جمعته هو ٣ مليون جنيه مصري، تعادل اليوم قرابة ٧٠ مليون دولار، كانت في مهمة وطنية نظراً لقيمتها الفنية والمعنوية والرمزية لمصر؛ لأنها قوة ناعمة تعود بالفائدة على بلدها.. هي لم تصبح ام كلثوم في ليلة وضحاها .. بل بالمعاناة والصبر، في بداياتها مثلاً؛ الجمهور تهجم عليها في أحدى المرات فوجه والدها لها صفعة ليحميها من الناس، كانت تتنكر بملابس الرجال وهكذا.. القصد أن الفنان سيرة وعمر حتى يتحول لجوهرة، هذه الجوهرة لا بد أن تكون في رعاية الدولة لأنها رأس مال رمزي.
ربما ام كلثوم مثال قديم؛ فنانو #تركيا عقب زلزال كهرمان مرعش في ٢٠٢٣، جمعوا خلال ٧ ساعات عبر حملة تركيا قلب واحد، جمعوا قرابة ٦ مليار دولار لدعم بلدهم في الأوقات الصعبة.. ٧ ساعات فقط! وهذا الوقت يساوي عدة أضعاف نتائج الحملات الإنسانية العادية، لهذا قيمة الفنان من قيمة البلد نظراً لقدرته العالية على التأثير.
اسألكم بالله، كيف تكون قيمة الفنان العراقي عالية ومؤثرة والمواطن العادي يراه يقدم اعلانات بائسة؟ انا لا اللوم الفنان المحتاج لعمل شريف للعيش، ولكن اللوم المنهجية والعقلية التي يسير بها فكر الدولة، بحيث تترك الفن والواقع الثقافي يتهاوى وينحدر دون أن تدرك أنهما مسند للدولة والقانون.
