خطاب ينكر الواقع والوقائع!

يُمَلّ من خطاب يصرّ على إنكار الواقع والوقائع، ويواصل بكل غرابة الحديث بالانتصارية نفسها، كأن شيئاً لم يحصل، وكأن كل ما جرى لا يستحق سؤالاً أو مراجعة.

هو خطاب لا يرقى إلى مستوى كارثة غير مسبوقة ونكبة أكبر من قدرة المجتمع اللبناني كله على التعامل معها، وأثقل من اقتصاد بلد منهك. ومع ذلك، لا نجد سوى محاولة تسجيل النقاط في الداخل، في محاولة يائسة لفرض رواية باتت الوقائع نفسها تنقضها كل يوم.

ليست المسألة بيوتاً هدمت فحسب، ولا عائلات هجرت فحسب.
هي كارثة اصابت بنتائجها كل البلد. نحن لسنا فقط امام جبل عامل وقد مسح تماماً بشكل غير مسبوق في كل تاريخه الحديث والقديم، بل نحن مجتمع يواجه تحديات غير مسبوقة ولا يوجد في الافق اي حل قريب. كارثة بهذا الحجم كان يفترض أن تغيّر الخطاب نفسه، أو بالحد الأدنى لهجته وأسلوبه، لا أن يبقى كما هو ويطلب من الواقع أن يتكيّف معه.

ومع ذلك، فالكلام المعاد تدويره لا يجيب عن أي سؤال، ولا يقدّم حلولاً أو بدائل، ولو نظرية. نحن أمام صوت مرتفع بلا أدوات، وبلا قدرة فعلية على التأثير، لا داخلياً ولا خارجياً. لا جواب عن كيفية الخروج من هذا المأزق، ولا رؤية لما يمكن فعله.

ثمة في كل هذا ما يذكّر، على قسوتها للأسف، بحكاية الإمبراطور العاري لهانس كريستيان أندرسن. في الحكاية، أقنع محتالان الإمبراطور بأنهما نسجا له ثوباً لا يراه إلا الأذكياء، فخاف الجميع من الاعتراف بأنهم لا يرون شيئاً، واستمر البلاط في مديح الثوب، فيما كان الإمبراطور نفسه يعرف أنه لا يرى شيئاً أيضاً، لكنه مضى في الموكب عارياً…

الكارثة أمام الجميع، والنتائج أمام الجميع، وما أصاب الجنوب ولبنان ككل أمام الجميع. لكن، كما في الحكاية، ثمة من يصرّ ليس فقط على استمرار موكب الإمبراطور، بل يريد من الجميع التصفيق للرداء الذي لم يعد موجوداً، وهو يظن انه ما زال قادراً على حجب الرؤية عما بات واضحاً أمام أعين الجميع، وكأن الاعتراف بالحقيقة أصعب من الإصرار على الوهم.

فعلاً، يُمَلّ.