ليس المرض حدثا عابرا في هذا الكتاب، بل قصةٌ لها جذور. في “الجسد لا يمرض وحده” وهو (الإصدار الثاني) لطبيبة الأسرة القديرة رند سلوان كمال عبود والذي تقدم فيه مقاربة هادئة وعميقة تُعيد تعريف علاقتنا بأجسادنا: ما يظهر على السطح ليس سوى ظلّ لما يحدث في الداخل.
تنطلق نصوص الكتاب من فرضية بسيطة ومقلقة في آن: الجسد يتذكّر ما نحاول نسيانه. فالمشاعر المؤجلة، والضغوط المتراكمة، والصدمات التي لم تجد طريقها إلى التعبير، لا تختفي؛ بل تغيّر شكلها، وتعود في هيئة أعراض. هنا، يصبح الألم رسالةً مُشفّرة، ويغدو التعب لغةً تحتاج إلى من يفكّها.
تُحسن الكاتبة العراقية والطبيبة الإنسانة المزج بين الحسّ الطبي الذي برعت فيه والخبرة الإنسانية؛ فلا تُغرق القارئ في المصطلحات المعقدة، ولا تكتفي بالتأملات العامة. بل تبني جسرا بين الفهم العلمي للجسد وبين الوعي بالمشاعر، لتقترح رؤيةً متكاملة للصحة: تشخيصٌ يرى الإنسان ككل، وعلاجٌ لا يُختزل في وصفة دوائية، بل يمتدّ إلى الإصغاء، والمراجعة، وإعادة التوازن.
هذا العمل يأتي استمرارا لكتابها الأول “الصندوق الأبيض” لكنّه أكثر التصاقا بالجسد بوصفه ساحة ظهور تلك الرحلة الداخلية. فبعد أن كان التركيز على كشف ما في الداخل، ينتقل هنا إلى أثر ذلك الداخل على الجسد، وكيف يمكن لهذا الوعي أن يتحول إلى بداية شفاء حقيقي.
وعند مقارنته بكتاب “الجسد لا ينسى” لبابيت روتشيلد، تتقاطع الرؤيتان في نقطة مركزية: الصدمة لا تنتهي بانتهاء الحدث. كلا العملين يبيّن كيف تُخزَّن التجارب القاسية في الجهاز العصبي، وكيف يعيد الجسد إنتاجها بطرق غير مباشرة. غير أن “الجسد لا يمرض وحده” يقرّب هذه الأفكار من الحياة اليومية، ويجعلها قابلة للفهم والتطبيق في سياقنا الاجتماعي.
هكذا، لا يعود الشفاء هدفا بعيدا ، بل مسارا يبدأ من الفهم. فهم الإشارة قبل كتمها، وفهم الشعور قبل إنكاره. وفي هذه الرحلة، يتبدّل موقع الألم: من عبءٍ يُثقل إلى دليلٍ يُرشد.
يقدم كتاب الدكتورة رند طرحا إنسانيا يجمع بين الدقة الطبية والوعي النفسي، ليحوّل الألم إلى فهم أعمق للذات وإشاراتها الخفية وبنفس الوقت درسا بسيطا لكنه حاسم: الجسد لا يخوننا، بل يحدّثنا.
يهمس لنا الكتاب ان الجسد والروح والعقل منظومة واحدة لا تنفصل، وأي خلل أو تعب جسدي غالبا ما تبدأ حكايته من الداخل أو يتأثر بالمزاج والنوم والمشاعر وكلما أصغينا إليه أكثر، اقتربنا من توازنٍ لا يصنعه الدواء وحده، بل تصنعه معرفةٌ أعمق بأنفسنا!
نحن امام نوع من الكتابة التي تُعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان وجسده، وتفتح له نافذة على ذاته التي كثيرا ما تُهمل تحت ضغط الحياة وتسارعها. هكذا يصبح الكتاب دعوة هادئة للعودة إلى الداخل، حيث يبدأ الشفاء الحقيقي من لحظة الإصغاء!
رابط صفحة د. رند على الفيسبوك
https://www.facebook.com/share/1Bh2RTpvDN/?mibextid=wwXIfr
