فنزويلا و “السر المكنون”

في الثالث من يناير 2026 تمكنت وحدات امنية امريكية من اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو ونقله وزوجته الى الولايات المتحدة ، وهو قابع في سجونها الآن، ولن اتوقف عند الجانب القانوني من العملية وخرق مبدا السيادة وممارسة العدوان…بل سأتوقف عند “ما وراء الحدث”، من خلال ما يلي:
أولا: هل هي مؤامرة تم حياكة نسيجها مع نائبة الرئيس “ديلسي رودريغز” ؟، فطبقا لصحيفتين احدهما “الديلي تليغراف ” والثانية ” ميامي هيرالد” فان اجتماعات سرية تم عقدها في العاصمة القطرية-الدوحة- ،وضمت هذه الاجتماعات اطرافا قطرية من ناحية و رودريغز وشقيقها “خورخي” من ناحية ثانية لمناقشة “احلال ديلسي رودريغز محل مادورو”؟
ثانيا: السر المكنون : من تتبع التقارير والمناقشات للموضوع ظهر لي ما يلي:
أ‌- تقول الديلي تليغراف في تقرير نشرته في اليوم التالي للاختطاف ان رودريغز وشقيقها اجريا اتصالات سرية مع الامريكيين وكان من ضمنها لقاءات في العاصمة القطرية-الدوحة-، وكان محور اللقاءات يدور حول بديل لمادورو، وان التوجه هو لتكون ديلسي رودريغز نائبة مادورو هي البديل للرئيس ، وان شخصية قطرية من الاسرة الحاكمة قامت بدور الوسيط بين ادارة ترامب و اطراف في النظام الفنزويلي. وهنا من المفيد التذكير ان قطر لعبت دورا في المفاوضات بين كاركاس وواشنطن في جوانب عدة مثل تبادل السجناء وغيرها.
(عنوان مقال الديلي تليغراف هو:Secret meetings point to inside job to take down Maduro””)، وتم نشره في 4 يناير 2026.
ب‌- تقرير صحيفة” ميامي هيرالد ” والذي تم نشره تحت عنوان :
“Venezuelan leaders offered U.S a path to stay in power without Maduro”
ويشير هذا المقال الذي تم نشره في فترة سابقة على الاختطاف ، وتناول اجتماعين مع المسؤولين القطريين لانشاء نظام “بدون مادورو”، مع تحديد مسؤوليات شخصيات اساسية اخرى في النظام ، بل وتتحدث هذه الصحيفة عن ” اصول مالية لديلسي رودريغز كانت مخزونة سرا في قطر وهي من عائدات النفط الفنزويلي”، وكان من ضمن الاقتراحات في اجتماعات قطر وغيرها هو ان يتنحى مادورو مقابل اسقاط كل التهم الموجهة له من الولايات المتحدة، وان تتولى رودريغز السلطة، اضافة الى فتح قطاع النفط والتعدين امام الشركات الامريكية وتخفيف العلاقات الفنزويلية مع ايران وروسيا والصين.، كما جرت مناقشة اقتراح بان يغادر مادورو فنزويلا للاقامة في قطر او تركيا. والغريب ان الصحيفة تشير الى ان مادورو كان- حسب بعض مصادرها – “يعلم بهذه التحركات”.
ت‌- كانت وكالة اسوشيتد برس (AP)،قد نشرت في اكتوبر 2025 تقريرا عن بروز بوادر باستعداد مادورو للتخلي عن السلطة عام 2028 ،لكن الولايات المتحدة رفضت ذلك، وعززت وكالة رويترز هذه الرواية بان مادورو اقترح الحل ذاته على ترامب خلال نوفمبر 2025 ،وان تتولى رودريغز السلطة بدلا منه بعد 3 سنوات.
ث‌- قالت الغارديان البريطانية ان رودريغيز اوصلت للامريكيين تصورها بان مادورو يجب ان “يرحل”، لكن قناة CNN تثير نقطة ان زعيمة المعارضة الفنزويلية ماريا كورينا ماشادو لم يتم طرحها من قبل الامريكيين كبديل لمادورو رغم انها خصمه الرئيسي ومن اكثر الناس دعوة للامريكيين للتدخل في فنزويلا…وهو امر يستحق التأمل، فهل ارتباط ماشادو بالسياسات الامريكية يجعل مصداقية النظام الجديد اقل،بينما الانقلاب من داخل النظام اقل قابلية لتاويله انه من “صُنع في واشنطن”.
ج‌- اشارت صحيفة “EL Nacional في اغسطس 2026 ان ترامب قال ان رودريغز” تتفهم الوضع”، وهو ما اعادت توضيحه صحيفة “The Times of india”في 23 يناير 2026، بان اطرافا في نظام مادورو “تحالفوا مع الولايات المتحدة فيما جرى”، وتم نسبة اقوال لرودريغز(الغارديان البريطانية) من ضمنها قولها” ان انتقال السلطة بطريقة مسيطر عليها افضل من انتقالها عبر الفوضى” ، ولكي تبعد الشبهة عن نفسها فقد توجهت الى “جزيرة مارغريتا” خلال الهجوم الامريكي ، ثم عادت بمجرد اكتمال العملية ضد مادورو واشرعت الابواب لشقيقها لتوسيع نطاق صلاحيته الى جانب رئاسته للجمعية الوطنية.
ح‌- الملاحظ انها وبمجرد انتهاء عملية الاختطاف اقالت وزير الدفاع “فلاديمير بادرينو لوبيز” في مارس 2026، وعينت بدلا منه جوستافو لوبيز الاكثر قربا منها.
المفارقة: لعل اكثر ما يثير في الامر هو ان رودريغيز كانت التعبير الاوضح عن “العداء للامبريالية ورفض المواقف الامريكية ” وهو ما يثير الشك في أن ذلك لكسب ثقة مادورو، مما يمكنها من الاقتراب اكثر من دوائر القرار وتنظيم الخطة لعزل مادورو، وقد خدعت بذلك كل الجهات والكُتاب(وانا كنت ممن اعتقد انها الاكثر عداء للامبريالية نظرا لما قرأته عنها)، بل انها تبدو الآن اكثر حرصا على مصالح الولايات المتحدة من ترامب نفسه.
اخيرا ،سبق وان اشرت في تحليل مفصل لكتاب Lindsey A.O’ourke وعنوانه :
Covert Regime Change :American Secret Cold War
والذي يتناول 72 محاولة امريكية لتغيير النظم السياسية منها 6 محاولات علنية، وانها نجحت في 25 منها، ويبدو ان اختطاف مادورو وتولية رودريغيز هي الحالة 26 في تغيير الانظمة سرا…
ومن الضروري اعادة التذكير بما شرحناه مرات عدة وهو موضوع “ديبلوماسية الانابة” (Proxy Diplomacy” حيث يتم ايكال التمويه لمثل هذه العمليات لدول تقوم بدور “الوكيل” عن القوة العظمى ،مقابل “امن النظام” ورعايته..وما اكثر هذا النموذج …ربما.