رحيلُ كوزو أوكاموتو، المعروف بـ«أحمد الياباني»، في بيروت يوم الخميس الماضي، فتح المجال واسعا – خاصة للجيل الجديد – أن يتعرّف على جيل زمن آمن فيه كثيرون من بقاع الأرض المختلفة بعدالة القضية الفلسطينية، وبأنّ التضامن مع الشعوب المظلومة يمكن أن يتخطى الحدود واللغات، ليصبح هوية عالمية جديدة؛ فقصةُ الرجل تفتح ملفًا طويلًا من الحكايات التي جمعت بين المثقف والرصاصة، وبين اليابان البعيدة وفلسطين القريبة، وبين حلم الثورة الأممية وواقع السجون والمنفى. لقد قدّم أحمد الياباني درسا عمليا لكثير من أبناء العروبة، الذين لم يكتفوا بترك أهل فلسطين وغزة يُبادون بوحشية، بل رجموهم بالحجارة.
كان يمكن لأحمد الياباني أن يصبح أكاديميًّا مرموقًا في علم النباتات، لكنه اختار أن يضع نفسه في قلب معركة مطار اللد عام 1972، ليُسجن ثلاثة عشر عاما في سجن انفرادي ذاق فيه من الويلات ما ذاق، بعد أن شارك مع رفيقيه تسويوشي أوكودايرا وياسويوكي ياسودا، في تلك العملية التي نفذوها في الثلاثين من مايو عام 1972، حيث ترجّلوا من طائرة تعود لشركة الطيران الفرنسية (إير فرانس) في مطار اللد، وانتظروا جلب حقائب سفرهم، وعندما وصلت أخرجوا أسلحتهم الآليّة وأطلقوا النار في كلِّ اتجاه، فقُتل ستة وعشرون إسرائيليًا، وجُرح نحو ثمانين. وبعد اشتباك مع قوة أمن المطار قُتل زميلاه، فيما اعتقل كوزو أوكاموتو بعد إصابته، لتحكم عليه المحكمة الصهيونية بثلاثة مؤبدات؛ أمضى منها ثلاث عشرة سنة في العزل الانفرادي، وتحرر في صفقة الأسرى في شهر مايو 1985. في ذلك اليوم (الثلاثين من مايو عام 1972)، أصبح أحمد الياباني رمزًا لنمط جديد من العمليات الفدائية التي تبنتها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ضد إسرائيل، إذ وُصفت العملية التي نفّذها بأجرأ عمليات المقاومة وأكثرها إبداعًا.
جاء المناضل أحمد الياباني من أقصى الشرق، لا تربطه بفلسطين لغة ولا دين ولا قومية، وإنما ربطته بها قناعة راسخة بأنّ معركة الفلسطينيين هي جزء من معركة الشعوب ضد الاستعمار والصهيونية والإمبريالية، فاختار أن يدفع حياته ثمنا لهذا الموقف، مؤمنا بأنّ الحدود لا تقف في وجه المبادئ، وأنّ الثورة الحقيقية تتجاوز الجغرافيا. لقد جسّد، – هو ورفاقه في الجيش الأحمر الياباني – معنى الأممية الثورية التي ترى في حرية الشعوب قضية واحدة، وفي مقاومة الاحتلال مسؤولية مشتركة. وسيظل حضوره في الذاكرة الفلسطينية – كما قال الأكاديمي الفلسطيني وسام الفقعاوي – شاهدا على مرحلة التقت فيها إرادات المناضلين من قارات مختلفة حول هدف واحد، هو تحرير الإنسان من الاستعمار والصهيونية والاستغلال والاضطهاد.
لم يكن أحمد الياباني وحيدا في هذا الطريق، فقد عرف تاريخ المقاومة الفلسطينية أسماء أخرى من خارج المنطقة، مثل كارلوس الفنزويلي الذي اشتهر بجرأته وعملياته النوعية، وفرانكو فونتانا الإيطالي الذي عاش سنواته في المخيمات الفلسطينية حتى دُفن بين أهلها، وباتريك أرغيلو القادم من نيكاراغوا، الذي شارك المناضلة ليلى خالد في محاولة اختطاف طائرة إسرائيلية عام 1970؛ فهؤلاء وغيرهم جسّدوا فكرة أنّ فلسطين لم تكن قضية محلية، بل قضية إنسانية جذبت مناضلين من أقاصي الأرض. ولم يقتصر الأمر على المناضلين الرجال فقط؛ فمنذ عقود وقفت مناضلات عالميات إلى جانب الشعب الفلسطيني، معتبرات أنّ نضاله جزء من حركة التحرر الإنساني. فقد عبّرت – مثلًا – المناضلة الأمريكية أنجيلا ديفيس عن دعمها لفلسطين وربطت بين نضالها ضد العنصرية في الولايات المتحدة والنضال الفلسطيني ضد الاحتلال، كما كتبت الكاتبة الأمريكية أليس ووكر نصوصا تنتقد فيها السياسات الإسرائيلية وتدعو إلى التضامن مع الفلسطينيين. وفي المجال الفني، استخدمت عارضة الأزياء العالمية بيلا حديد منصاتها للتوعية بالقضية الفلسطينية، وشاركت في مظاهرات داعمة لها. كذلك عبّرت الفيلسوفة الأمريكية جوديث بتلر عن أنّ التضامن مع الفلسطينيين جزء من العدالة العالمية، فيما انخرطت ناشطات من أوروبا وأمريكا اللاتينية في حملات المقاطعة والمظاهرات الدولية، ليؤكدن أنّ القضية الفلسطينية ليست محلية فحسب، بل قضية إنسانية عالمية تستدعي تضامن النساء والمناضلات في كلّ مكان.
عودة إلى المناضل أحمد الياباني، فقد عاش سنواته الأخيرة في شقة متواضعة في الضاحية الجنوبية من بيروت، بعيدًا عن الأضواء، محاطًا برفاقه القدامى من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، التي وصفته في بيان نعْيِها أنه توفي «ثابتا على مواقفه»، واصفة إياه بأنه من أبرز الشخصيات التي انخرطت في دعم القضية الفلسطينية، وأنه بقي إلى جانب الفلسطينيين طوال حياته، ولم يتراجع عن قناعاته.
اليوم، والحالُ قد تغيّر وأصبح العدو صديقا عند البعض، هناك سؤال يفرض نفسه: هل ما زال نموذج «المناضل الأممي» صالحا في عالمنا الممزق؟ البعض – ممن يصنّفون أنفسهم واقعيين – سيرى أنّ العنف الذي اختاره لم يحقق سوى مزيد من الدماء، وهم الذين رأوا في حماس وحزب الله وإيران النظرة نفسها، والبعض الآخر سيعتبره دليلًا على صدق الالتزام بالقضية الفلسطينية؛ لكن المؤكد أنّ قصته ستظلّ علامة فارقة، لأنها تضعنا أمام المفارقة الكبرى، المثقف الذي تمرّد على حدود بلده، وقرّر أن يكون جزءا من معركة بعيدة جغرافيا لكنها قريبة وجدانيا.
ومما يؤسى له أنّ الجيل العربي الجديد، الذي نشأ في زمن التطبيع والاصطفافات الجديدة، لا يعرف مثل هذه الشخصيات إلا من خلال سطور عابرة، وأكاد أجزم أنّ كثيرين لم يسمعوا به، وبالنسبة لهم، فإنّ «أحمد الياباني» ليس إلا اسما غريبا، بينما كان بالنسبة لجيل السبعينيات والثمانينيات رمزا حيا لفكرة أنّ العالم يمكن أن يتوحد حول قضية عادلة. وهذا يدل على تراجع فكرة التضامن الأممي، ويطرح سؤالًا عن قدرة القضية الفلسطينية اليوم على استقطاب مثل تلك النماذج، بعد أن أصبحت السلطة تتعاون مع الكيان الإسرائيلي، فيما يُعرف بالتنسيق الأمني.
سيظلّ أحمد الياباني شاهدا على زمن كان فيه العالم أكثر استعدادًا للتضامن عبر الحدود، لأنّ القضية أثبتت نفسها على الوجود، وسيظلّ شاهدًا على زمن كان فيه المثقف يجرؤ على أن يختار البندقية، حتى لو دفع حياته ثمنا لذلك.
****
زاهر بن حارث المحروقي كاتب عُماني مهتم بالشأن السياسي الإقليمي.
