اعتاد المؤرخون أن يكتبوا تاريخ الدول من خلال الملوك والحروب والمعاهدات والثورات، وأن يقيسوا تحولات المجتمعات بما تغيّر في أنظمتها السياسية أو الاقتصادية أو الفكرية. غير أن الإنسان عاش الأشياء ولامسها بعيونه وأحاسيسه وحواسه؛ فقد رأى المدن والأرياف، وسمع أصوات ساكنيها، ولمس عمرانها، وتذوّق طعامها، وشمّ روائحها. وفي الآونة الأخيرة برز اتجاه في الدراسات التاريخية يدعو إلى إعادة قراءة الماضي من خلال الحواس، كونها أحد جوانب التجربة الإنسانية التي لا تقل أهمية عن الوثائق الرسمية أو السجلات السياسية والعسكرية.
أعادت مدرسة الحوليات الفرنسية التي أسسها مارك بلوخ ولوسيان فيفر وفرنان بروديل مجال الاعتبار إلى تاريخ الإنسان العادي، وحياته اليومية والذهنيات والعادات والأشياء، وهو ما مهد الطريق لظهور مدرسة تاريخ الحواس. فقد تعمق المؤرخ الفرنسي آلان كوربان بهذا المجال المعرفي حين بحث في التحولات الاجتماعية من خلال علاقة الإنسان بالرائحة، وأثبت بأن الروائح هي بناء ثقافيّ يتغير بتغير المجتمع. ومن ثم جاء المؤرخ الأمريكي مارك م. سميث ليؤكد أن الحواس تعتبر مدخلاً أساسياً لفهم حياة الإنسان، وأن تاريخها يكشف أبعاداً إنسانيةً لا تستطيع الوثائق التقليدية وحدها أن تفسرها. كما أسهمت الباحثة كونستانس كلاسن مع ديفيد هاوز في توسيع هذا المجال، من خلال دراسة العلاقة بين الحواس والثقافة والهوية والذاكرة.
وبناء على هذا، تبدو سورية ميداناً خصباً للقراءة من منظور التاريخ الشمي؛ فقد تعاقبت على أرضها حضارات وثقافات، وتنوعت بيئاتها بين المدينة والريف والبادية والساحل، فصنعت عبر القرون ذاكرةً حسيةً متراكمةً ربطت الإنسان بالمكان. ومن هنا تصبح دراسة الرائحة بمثابة محاولة لقراءة جانب خفي من التاريخ الاجتماعي للسوريين، وفهم ما بقي في ذاكرتهم من الأمكنة بعد أن تغيرت كثير من الأمكنة.
– الرائحة وثيقة تاريخية في سورية ..
إذا كانت الوثيقة المكتوبة هي المادة الخام للمؤرخ التقليدي، فإن مؤرخ الحواس يبحث عن وثائق من نوعٍ آخر؛ وثائق لا تُحفظ في الأرشيفات، بل في ذاكرة البشر وحياتهم اليومية. ففي هذا الإطار، تتجلى الرائحة، كأثر ثقافيّ واجتماعيّ يكشف طبيعة المجتمع السوري، ومستوى نموه، وأنماط معيشته، وعلاقته بالبيئة والاقتصاد والدين. ولذلك اعتبر المؤرخ الفرنسي آلان كوربان أن تاريخ الروائح هو في جوهره تاريخ للتحولات الإنسانية والحضارية، وذلك لأن المجتمع يغيّر نظرته إلى الروائح كلما تغيّرت قيمه وثقافته وذائقته.
فالروائح تعد وثيقة تاريخية صامتة، فحين يقرأ المؤرخ وصف أحد الرحالة لمدينة سورية بأنها تعبق برائحة التوابل أو البخور أو الصابون أو الجلود، فإنه يلاحظ مؤشرات نفسية واقتصادية واجتماعية وأمنية تدل على ازدهار التجارة، ووجود الحرف، وطبيعة الصناعات، ومستوى الصحة العامة، وعلاقات الناس بالفضاء الحضري، واستقرار الدولة أو اضطرابها، وغياب رائحة ما أو ظهور أخرى يعكس تغيراً اقتصادياً أو بيئياً أو حتى سياسياً وأمنياً.
وفي سورية، تبدو هذه الفكرة أكثر تجليلاً من كثيرٍ من الدول؛ لأنها تمتاز بموقها الحيوي، وكانت ولا تزال ملتقى طرق تجارية كبرى منذ آلاف السنين، فهي تربط بين الجزيرة العربية وبلاد الرافدين والأناضول والبحر المتوسط. وكانت القوافل تحمل الحرير والتوابل والأخشاب والمعادن فقط، كما تحمل معها كمية من الروائح التي اندمجت تدريجياً في الحياة اليومية للسكان. فقد أصبحت القرفة والقرنفل والفلفل الأسود واللبان والمسك والعنبر والبخور والزعفران جزءاً من الذوق، ومن المطبخ السوري، والطب الشعبي، والطقوس والمناسبات الاجتماعية، وحتى ظهرت آثارها في اللغة والأمثال الشعبية.
وتقدم أسواق المدن السورية نموذجاً حياً لما يمكن تسميته بـ “الجغرافيا الشمية”. فكل سوقٍ كان يمتلك بصمته الخاصة التي تميزه عن غيره. ففي سوق البزورية بدمشق نجد روائح الأعشاب الطبية والعطارة والتوابل تتداخل مع رائحة القهوة المحمصة، بينما تعبق أسواق النحّاسين برائحة المعادن والزيوت، وأسواق الدباغة تفوح منها رائحة الجلود التي تعتبر دليلاً شاهداً على نشاط اقتصادي واسع. وأما الخانات القديمة، فقد اختلطت فيها روائح الأخشاب القادمة من الأناضول وجبال الأمانوس، والأقمشة الشرقية، والزيوت النباتية، والبضائع التي وصلت عبر البحر أو الصحراء.
وهكذا يمكن دراسة تاريخ السوق والخان والحمّام والمخبز وورشة الحرفي لأنها أجزاء من أرشيف حسيّ للمدينة السورية. فتغير الروائح أو اختفاؤها قد يدل على تحولاتٍ أعمق في طرق التجارة والصناعات وأنماط الاستهلاك والعمران والحياة اليومية. ومن هذه الزاوية تكون الرائحة قرينةً تُقرأ إلى جانب النصوص والرحلات والوثائق والآثار، وتمنح المؤرخ صورةً أقرب إلى الحياة كما عاشها الناس، لا كما سجلتها الوثائق الرسمية، ومدونات التاريخ السياسي والحربي وحدها.
– لكل مدينة سورية رائحتها
لكل منطقة سورية شخصيتها الشمية التي تشكلت عبر قرون طويلة من التفاعل بين الجغرافيا والمناخ والزراعة والعمران والإنسان. فالرائحة في سورية هي إحدى طبقات الهوية الحضارية للمجتمع السوري.
وعبر قرون طويلة، استوقفت دمشق الرحالة والمؤرخين بما جمعته من الماء والخضرة والروائح؛ فوصفها ابن جبير بأنها قد “تحلّت بأزاهير الرياحين”، وتحدث عن رياضٍ “يحيي النفوس نسيمها العليل”، فيما رأى ابن بطوطة أن محاسن دمشق “تقصر عنها العبارة”. ولم يختلف انبهار الرحالة الغربيين كثيراً؛ فقد خطّ الشاعر الفرنسي ألفونس دي لامارتين انطباعاته عن دمشق التي زارها عام 1833، وقدم وصفاً مبهراً عن دمشق وغوطتها، فيما قدمت إيزابيل بيرتون في القرن التاسع عشر ملاحظةً شميةً لافتة حين ربطت رائحة دمشق المميزة بالبابونج. وتكشف هذه الشهادات أن صورة دمشق التاريخية لم تقم على الياسمين وحده، وإنما على عالمٍ كامل من الرياحين والبساتين والمياه والعطارة والتوابل. فالمدينة القديمة كانت تتنفس من طبقاتٍ متراكبة من الروائح؛ ماء السواقي القادمة من نهر بردى، وأخشاب البيوت الدمشقية المعتقة، وعبير الورد الجوري، ورائحة القهوة التي تُحمّص في الأزقة الضيقة، والبخور المتصاعد من المساجد، والعنبر والمسك في محال العطارين، ومن ثم الخبز الساخن الخارج من الأفران الحجرية مع أول ضوء للفجر.
وأما في حلب، فقد حملت رائحةً مختلفة، صنعتها المدينة التي كانت إحدى أهم محطات التجارة العالمية على طريق الحرير. وفيها امتزجت روائح صابون الغار بزيت الزيتون والزعتر، وداخلها توابل آتية من الهند واليمن، والجلود، والأقمشة، والأخشاب، والقطن، والفستق الحلبي، حتى أصبحت الأسواق الحلبية خليطاً من الروائح المتداخلة، يستطيع الحرفي أن يعرف نوع البضاعة قبل أن يراها.
وفي حماة، لم تروي نواعيرها وحدها قصة المدينة العريقة، وإنما رائحة الماء المختلطة بخضرة بساتين العاصي، وأشجار الحور، والطين الذي يتركه النهر على ضفتيه، وهو حال حمص التي تتشابه في مظاهرها الطبيعية والسكانية والإنتاجية، وبيئتها المفتوحة على جبال لبنان والبادية السورية، فهي واسطة العقد الفريد. وفي غوطة دمشق، كانت رائحة الربيع تبدأ قبل أن تُرى ألوانه؛ زهر المشمش، واللوز، والخوخ، والكرز، والياسمين، والنعناع، والريحان، كلها كانت تُكوّن مشهداً شمياً لا يقل جمالًا عن المشهد البصري، حتى ليبدو تبدل الروائح في الغوطة إعلاناً حسياً عن تعاقب الفصول، وتغير الظروف المناخية.
وعلى امتداد الساحل السوري، كتبت الطبيعة تاريخاً آخر للرائحة؛ فهناك امتزج نسيم البحر برائحة الصنوبر والسرو والحمضيات، بينما حملت الرياح رائحة التبغ والزيتون والرطوبة البحرية في آنٍ واحد. وأما الجزيرة السورية، الممتدة بين الفرات ودجلة والخابور، فقد احتفظت بذاكرة شمية مختلفة؛ القمح بعد الحصاد، والشعير، والقطن، والتراب الأسود بعد أول مطر، وهي روائح ارتبطت في الوعي الجمعي بالخصب والعمل والاستقرار. وفي البادية، لم يكن المسافر يرى النبات إلا قليلًا، لكنه كان يشم الشيح والقيصوم والزعتر البري بعد سقوط المطر، فتتحول الصحراء إلى فضاءٍ له رائحةٌ لا تخطئها ذاكرة البدوي.
ولم ترتبط الذاكرة الشمية في سورية بالمكان وحده، وإنما ارتبطت بالزمن أيضاً؛ فلكل فصلٍ وموسمٍ ومناسبة رائحتها، ففي الصباح تبدأ المدينة برائحة الخبز، ومن ثم تتبدل عند الظهيرة إلى رائحة الطعام المطهو في البيوت، وفي المساء تختلط بالقهوة والهيل ودخان الحطب ورائحة الكستناء والبصل المشوي على الحطب في الشتاء. وحتى المناسبات والطقوس الاجتماعية كانت تمتلك روائحها الخاصة؛ فالأعياد تفوح منها رائحة المعمول والسمن العربي وماء الزهر، وشهر رمضان يُعرف برائحة الشوربات والفتات والقطايف، والأعراس بالبخور والعطور الشرقية، ومواسم الزيتون بمعاصر الحجر، ومواسم القمح بالتبن والقش. وهكذا امتلك السوريون، إلى جانب تقويم الشهور، تقويماً حسياً غير مكتوب؛ يعرفون فيه اقتراب المواسم من الروائح التي تسبقها وترافقها، حتى غدت الرائحة علامة فارقة على الزمن بقدر ما كانت علامة واضحة على المكان أيضاً.
– حين غلبت رائحة البارود … التحول الشمي في الذاكرة السورية!
تتغير المدن عادةً عندما تتبدل عمارتها أو تتغير حدودها، ولكن الحروب تغيّر شيئاً أكثر عمقًا، فهي تغيّر رائحتها. وربما كان هذا أكثر التحولات صمتاً وأشدها رسوخاً في الذاكرة الجمعية السورية. فمنذ اندلاع الثورة السورية تبدلت الخريطة الشمية للبلاد، وأصبح العمران والهواء شاهدين على ما جرى. فأصبح صوت الانفجار ورائحة الدخان يتداخلان في أذهان السوريين مع صورة البيت المهجور، والشورع والمدارس والأسواق المدمرة. وصارت بعض الأحياء والمناطق الريفية تُستعاد في الذاكرة من خلال تلك الرائحة الثقيلة التي كانت تسبق القصف أو تليه، وقد فقد المكان جزءاً من لغته القديمة، واكتسب لغةً جديدة فرضتها تداعيات وآثار الحرب الطويلة، والتي خربت جانباً كبيراً من الجغرافيا الشمية في المدن والأرياف السورية، وما تزال آثار هذا التحول محسوسةً في كثيرٍ من المدن والأرياف التي خرجت من سنوات الحرب مثقلةً برائحة الركام والاحتراق والغبار.
ومهما يكن، فإن ملايين السوريين الذين غادروا بلادهم، لا يزالون يحملون معهم هذه الذاكرة الشمية المركبة. فحين يشمون في بلاد المهجر رائحة خبزٍ يشبه خبز الأفران السورية، أو عبير الياسمين، أو صابون الغار، أو القهوة المطحونة بالهال، تعود إليهم صور المدن كما كانت قبل أن يغطيها دخان الحرب. وفي المقابل، قد تستدعي رائحة الوقود المحترق أو الغبار المتصاعد من الأبنية ذكرياتٍ مؤلمة يصعب محوها. وهكذا أصبحت الذاكرة السورية تحمل طبقتين متداخلتين؛ طبقةً مليئة بروائح الحياة القديمة، وأخرى مثقلةً بروائح الحرب والألم واللجوء والدمار.
ومن منظور التاريخ الشمي، فإن ما شهدته سورية خلال العقدين الأخيرين يمثل تحولاً عميقاً في التجربة الحسية للمجتمع السوري. فقد دخلت الحرب إلى الذاكرة عبر حاسة الشم كما دخلت عبر المشاهدة المباشرة والروايات والإعلام الإذاعي والمرئي، وأصبحت الروائح جزءاً من السردية الإنسانية للحرب، لا تقل قيمة عن الصور الفوتوغرافية أو الوثائق أو الشهادات الشفوية.
ومع انقضاء سنوات الحرب وانتصار الثورة السورية، يبقى الأمل أن تستعيد المدن السورية روائحها الأولى، بوصفها إعلاناً عن عودة الحياة. فحين يعود الياسمين ليطغى على رائحة البارود، ويعود الخبز ليملأ الأزقة المدينية والريفية، يكون المجتمع قد بدأ يكتب فصلًا جديدًا من تاريخه، ويستعيد عبيره القديم.
وفي نهاية المطاف، يمكن القول إن كتابة التاريخ الشمي لسورية ليس استعادةً رومانسيةً وعاطفيةً للماضي، وإنما هي محاولة لفتح نافذةٍ مختلفة على التاريخ الاجتماعي لهذا البلد؛ نافذة تقرأ علاقة الإنسان بالمكان من خلال ما عاشه بحواسه وما اختزنته ذاكرته. فقد تغيرت سورية عبر تاريخها، وتغير معها عمرانها وأسواقها وبيئاتها وأنماط حياة أهلها، وكانت الروائح شاهداً صامتاً على كثيرٍ من هذه التحولات. ومن الياسمين والغار والقمح والشيح، إلى الدخان والبارود، تشكلت ذاكرة حسية تختصر جانباً عميقاً من سيرة المكان والإنسان معاً. وبناء على هذا، يذكّرنا منظروا التاريخ الشمي بأن لكل حضارةٍ رائحتها، ولكل مكانٍ عبيراً يستدعي زمنه وذاكرته. وإن هذا الحال يفتح أمام الباحثين والدارسين باباً جديداً في قراءة التاريخ السوري وتدوينه، من خلال ذاكرة الحواس، وفي مقدمتها تلك الروائح التي رافقت حياة السوريين، وحفظت في طياتها شيئاً من تاريخهم الذي لم تكتبه الوثائق والمصادر التاريخية التقليدية المعروفة.
