لماذا حكم نتنياهو إسرائيل لفترة طويلة؟ تنسب التفسيرات السائدة ذلك إلى مهارته السياسية وضعف خصومه والتغييرات التي شهدها المجتمع الإسرائيلي. لكن هناك تفسيراً أعمق، وهو تزامن مسار نتنياهو السياسي تقريباً مع عصر العالم أحادي القطب، حيث كانت الولايات المتحدة هي القوة العظمى الوحيدة في العالم.
في مثل هذا العالم، كانت أهم صفة لرئيس الحكومة الإسرائيلي هي القدرة على العمل أمام واشنطن. تعودت غولدا مئير على التحدث عن طفولتها، ووصل إسحق رابين إلى رئاسة الحكومة بعد أن شغل منصب سفير إسرائيل في الولايات المتحدة. نشأ نتنياهو في أمريكا وأتقن لغتها وعرف ثقافتها السياسية معرفة كاملة. وقد حول هذه الميزة إلى هويته السياسية. فعندما قدم نفسه بأنه “يعرف أمريكا” أو “قائد من نوع مختلف”، لم تكن هذه فقط شعارات انتخابية، بل تعبير عن الميزة التي أعطاه إياها النظام العالمي.
بطرق كثيرة، مثلما حولت سياسة نتنياهو إسرائيل إلى ذراع أمريكا في الشرق الأوسط، أصبح نتنياهو ذراع أمريكا في إسرائيل. وما دامت واشنطن مركز ثقل النظام الدولي، فستبقى هذه أهم المهارات التي يمكن أن يقدمها زعيم إسرائيلي. أعطى العالم أحادي القطب الولايات المتحدة امتيازاً نادراً في السياسة الدولية: الحق في ارتكاب الأخطاء. كل قوة تخطئ، ولكن عندما لا يكون الخصم قادراً على استغلال الخطأ،فالقرارات الخاطئة لا تغير ميزان القوة. لذلك، استطاعت الولايات المتحدة شن حروب طويلة الأمد والحفاظ على مئات القواعد العسكرية في أرجاء العالم، وتمويل النظام العالمي، وفي الوقت نفسه،تقديم دعم شبه مطلق لإسرائيل حتى عندما لا يتوافق ذلك مع المصالح الأمريكية، خصوصاً إذا لم تواجه الولايات المتحدة قوة منافسة تقوض مكانتها كقائد للنظام العالمي.
وكانت العلاقة الخاصة بين أمريكا وإسرائيل نتيجة هذا النظام العالمي. بني التحالف الاستراتيجي بالتدريج في أواخر الستينيات عند تسليم طائرات “سكاي هوك” في 1968، وتعمق بعد عملية النقل الجوي للمساعدة العسكرية في حرب يوم الغفران. ولكن التحالف لم يبلغ الذروة إلا بعد انهيار الاتحاد السوفييني. في تلك السنين،بلغت قوة جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل في واشنطن والمعروفة باسم لجنة الشؤون العامة الأمريكية – الإسرائيلية (الأيباك) الذروة أيضاً. لم يكن هذا بسبب تغير في جماعات الضغط، بل لأنها كانت تعمل ضمن نظام دولي تتمتع فيه الولايات المتحدة بنفوذ كاف، خاصة هامش خطأ واسع، لتقديم دعم غير محدود لإسرائيل دون دفع أي ثمن استراتيجي.
كان نتنياهو زعيماً تتناسب صفاته تماماً مع هذه الظروف. لذلك، تفوق على جميع خصومه سياسياً. واستندت سياسته أيضاً إلى هذا الواقع. وكان أسلوبه الحازم في الضغط على الولايات المتحدة للانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران أكبر دليل على ذلك، وكان خطابه في الكونغرس في 2015 الذي ألقاه دون موافقة أوباما، ومخالفاً لموقف الإدارة، بمثابة مقامرة سياسية غير مسبوقة.
كان نتنياهو مستعداً للانحياز إلى المعسكر المحافظ في الولايات المتحدة، الذي كانت تيارات القومية البيضاء تنمو على أطرافه، والمخاطرة بمواجهة مفتوحة مع أول رئيس أسود في تاريخ الولايات المتحدة، لأنه افترض أن التحالف الاستراتيجي بين البلدين قوي بما يكفي لمقاومة الاستقطاب المتزايد في السياسة الأمريكية.
عندما تبنت إدارة ترامب موقف نتنياهو في 2018، وانسحبت من الاتفاق النووي، ظهر أنها مقامرة آتت أكلها. فقد تبنت الولايات المتحدة سياسة تقترب بدرجة كبيرة من وجهة نظر الحكومة الإسرائيلية، على فرض أن عواقبها ستكون مقبولة. لم يكن هذا القرار محتملاً لخلو من الأخطار، بل لأن القوة المهيمنة اعتقدت أن لديها هامش خطأ واسعاً كافياً لتحمل تبعاته.
لكن الظروف التي جعلت نتنياهو الزعيم الأفضل لم تعد قائمة، فقد أظهرت الحرب مع إيران أن أمريكا لم تعد تملك هامش المناورة الذي تمتعت به ثلاثة عقود، منذ حرب الخليج. ولم يكن من الصدفة أن يختار روبرت كاغان، المفكر الأكثر ارتباطاً بالفكر المحافظ الجديد في أمريكا، وفكرة هيمنة أمريكا، عنوان “اجتماع بشأن إيران” للمقال الذي نشره بعد الحرب في مجلة “ذي أتلانتيك”. لم يكن هذا فقط اعترافاً بالهزيمة في الحرب، بل كان إقراراً من أحد أبرز دعاة مفهوم الهيمنة الأمريكية، بأن حقبة القطب الواحد انتهت.
تقلص هامش خطأ واشنطن بشكل كبير في مواجهة الصين وروسيا والهند وقوى إقليمية أخرى. أصبح لكل قرار في الشرق الأوسط تداعيات على المنافسة مع بكين، وعلى العلاقات مع موسكو، وأسواق الطاقة، وميزان القوة العالمي، وقد يكون ثمنه باهظاً. لم يعد بإمكان الولايات المتحدة النظر إلى الشرق الأوسط كساحة منفصلة. فكل خطوة تفحص كجزء من صراع أوسع بكثير.
والمفارقة أن الحرب التي صممت لاحتواء إيران تقترب من نهايتها، في حين تقترب إيران أكثر من الهيمنة الإقليمية في الخليج الفارسي. هذا بالضبط ما يعنيه تضييق هامش الخطأ: خطوة أوحت في البداية بأن أمريكا قادرة على تشكيل العالم كما تشاء، قد سرعت من تآكل هامش الخطأ لديها.
لسنوات، ظهر أن هذه أربعة ظواهر منفصلة: الهيمنة الأمريكية في العالم، العلاقات الخاصة مع إسرائيل، قوة اللوبي المؤيد لإسرائيل في أمريكا، وصعود نتنياهو للحكم. في الواقع، كانت هذه الظواهر الأربعة تعبيراً عن نظام عالمي واحد. فالهيمنة الأمريكية هي التي أتاحت العلاقة الخاصة، وهذه العلاقة الخاصة عززت قوة اللوبي. وكل هذه العوامل معاً مهدت الظروف التي جعلت نتنياهو هو الزعيم الأنسب.
لكن هذا النظام هو الآخر يقترب من نهايته. عندما يغادر ترامب منصبه في 2028 سيكون قد مر 60 سنة على التحالف الخاص الذي بني منذ تسليم طائرات “سكاي هوك” لإسرائيل في العام 1968، وخلال ستة عقود تقريباً استند هذا التحالف لقوة غير مسبوقة للولايات المتحدة وهامش الخطأ الواسع المتاح لها.
لهذا الأمر أهمية كبيرة بالنسبة لإسرائيل. فقد تغير المناخ العالمي مثلما هي الحال في الطبيعة.
آفنر بن زاكين
هآرتس 17/7/2026
