مصطفى محمود واستشراف المستقبل.

في مقال سابق لي نُشر في جريدة عُمان تحت عنوان «صدق ابن خلدون وكذب المنجِّمون» تناولت ظاهرة المنجّمين والعرّافين، الذين يزعمون معرفة المستقبل، وقد صادف أن تحققت بعض توقعاتهم، لكن في الغالب لا يعتمد ذلك على العلم وقراءة الواقع؛ أما حين نتحدّث عمن اعتمد على العلم والتحليل العميق، فإننا نجد نموذجًا مختلفًا تمامًا هو الدكتور مصطفى محمود.

كان هذا الرجل بالنسبة لي حالة فكرية فريدة، فهو يحمل عقلًا موسوعيًّا جمع بين الطب والفلسفة والدين والتصوف، واستطاع أن يقرأ الواقع بعمق ويربط بين معطياته، ليخرج برؤى بدت وكأنها نبوءات. وإعجابي به جاء بسبب دقة استشرافه للمستقبل، إذ تحقق كلُّ ما تنبأ به في برنامجه الشهير «العلم والإيمان»، وفي كتبه ومقالاته، مع جرأته في طرح الأسئلة الكبرى، وقدرته على أن يجعل من العلم وسيلة لفهم الإنسان والكون معًا.
وأقول هنا إنّ علاقتي بفكره ليست سطحية، فقد قرأتُ معظم كتبه، وتابعتُ كثيرًا حلقات برنامجه، وكل مرة كنتُ أجد نفسي أمام عقل يسبق عصره، ويفتح لي أبوابًا جديدة للتفكير، ويجعلني أعيد النظر في علاقتنا بالعلم والدين والإنسان.
في كتبه مثل «قراءة المستقبل» و«الغد المشتعل»، وفي برنامجه الشهير، تحدّث عن قضايا كبرى قبل أن تصبح واقعًا ملموسًا. حذر من حروب المياه التي نراها اليوم في أزمة سد النهضة مثلًا، وتوقع انهيار الشيوعية قبل سقوط الاتحاد السوفيتي، وأشار إلى صعود الإرهاب تحت غطاء الدين، قبل أحداث 11 سبتمبر، كما ناقش أزمات البيئة والتغير المناخي، قبل أن تتحول إلى قضية عالمية. أما في مجال التكنولوجيا والاتصالات، فقد وصف المستقبل وكأنه يصف حاضرنا؛ فقال إنّ العالم سيصبح قرية صغيرة بفضل وسائل الاتصال، وإنّ الإنسان سيحمل أجهزة صغيرة يتواصل بها مع الآخرين، وهو ما تحقق في الهواتف الذكية. وتحدّث عن تدفق المعرفة بلا حدود، وهو ما نعيشه عبر الإنترنت والذكاء الاصطناعي. بل ذهب أبعد من ذلك حين قال: سيأتي يوم يصبح فيه العالم كله شاشة واحدة، يرى فيها الناس بعضهم بعضًا في اللحظة نفسها، وهي عبارة تجسد بدقة مكالمات الفيديو والبث المباشر.
ولم يقتصر استشرافه على التكنولوجيا، بل تناول أيضًا طبيعة الحروب؛ فقد تنوقل مقطع فيديو له، وهو يتحدث عن التفجيرات بضغطة زر واحدة، بعد ما عُرف بمعركة «البيجر» في لبنان، والتي قتلت فيها إسرائيل العشرات من اللبنانيين أتباع حزب الله، عبر تفجير النداء الآلي في لحظة واحدة. واليوم نرى الطائرات المسيّرة والهجمات السيبرانية والتهديد النووي، وكلها تجسد ما حذّر منه.
ورغم إعجابه بالتقدم العلمي، كان مصطفى محمود يحذّر دائمًا من أنّ العلم بلا أخلاق قد يقود البشرية إلى الهلاك. كان يرى أنّ التكنولوجيا قد تُستخدم في الخير أو الشر، وأنّ مسؤولية الإنسان هي التي تحدد الاتجاه؛ لذلك ربط بين رؤاه المستقبلية والبعد الإنساني والروحي، مؤكدًا أنّ التقدم المادي إذا لم يُرافقه وعيٌ أخلاقيّ وروحيّ سيؤدي إلى أزمات أخطر من الفقر، مثل العزلة الاجتماعية وفقدان المعنى.
وهنا يظهر الفرق الجوهري بينه وبين العرافين المنتشرين اليوم. هؤلاء يبيعون الوهم ويستغلون حاجة الناس إلى الاطمئنان، وقد تصادف أن تصيب بعض توقعاتهم لأنها عامة أو مبنية على الاحتمالات، لكنهم يفتقرون إلى العمق العلمي والفلسفي.
أما مصطفى محمود فقدّم رؤية مبنية على العلم والتحليل، تحققت في كثير من جوانبها، لأنها لم تكن غيبًا بل قراءة دقيقة للواقع واتجاهاته. والعراف يثير الخوف أو يزرع الأمل الكاذب، أما هو فكان يحذّر بصدق، ويضع أمامنا صورة المستقبل كي نستعد له بعقل وأخلاق.
إنّ ما جعل توقعاته صادقة قراءته الدقيقة للواقع واتجاهاته، ورؤيته الشمولية التي تربط بين السياسة والاقتصاد والدين والعلوم الطبيعية.
تلك العقلية الاستشرافية التي امتلكها مصطفى محمود والقادرة على أن ترى أبعد من اللحظة الراهنة، وأن تحذّر من المخاطر قبل وقوعها، وأن تدعو إلى استخدام العلم والتكنولوجيا بحكمة، هي أقرب إلى علم «استشراف المستقبل»، حيث هناك مراكز بحث ودراسات، تعتمد على منهج علمي منظم، يسعى إلى استكشاف السيناريوهات البديلة وتوقع التحولات القادمة، إذ يدمج اليوم بين أدوات التخطيط الاستراتيجي الإداري والقدرات الفائقة لتقنيات الذكاء الاصطناعي؛ ومراكزُ استشراف المستقبل، موجودة في معظم الدول المتقدمة، من خلال تحليل البيانات ورصد المؤشرات التكنولوجية والاجتماعية، ممّا يمنح القادة والحكومات والمؤسسات رؤية استباقية ثاقبة، تمكّنُهم من اتخاذ قرارات حاضرة، وتقليص نسب المخاطر مستقبلًا، وتحويل التحديات المستقبلية إلى فرص حقيقية تضمن التنمية المستدامة والجاهزية العالية لكلِّ الأزمات.
وقد ساعدت مواقع التواصل الاجتماعي الآن المؤسسات الرسمية في معرفة ودراسة التوجه العام من خلال التغريدات والمنشورات، ولا يحتاج الأمر إلى طرح استبانات حول قضايا الساعة، – كما كان يحدث في السابق – إذ أنّ ما يُنشر فيه الكفاية، إذا كانت الدول تهتم بتوجهات الناس، وفي تصوري لا ينبغي إهمال مقالات الرأي التي تنشر عبر الصحف؛ ففي معظمها هناك ما يفيد الدول في قراءة الواقع واستشراف المستقبل.
إنني أجد في الدكتور مصطفى محمود – رحمه الله -، نموذجًا للمفكر الذي سبق عصره، إذ كان عقلًا قادرًا على أن يربط بين العلم والروح ليمنح للتقدم معنى إنسانيًّا.
وما أحوجنا اليوم إلى مثل هذه العقول الاستشرافية، التي تستشرف المستقبل، وتدعو إلى صناعته بوعي وأخلاق.
***
زاهر بن حارث المحروقي كاتب عُماني مهتم بالشأن السياسي الإقليمي.