تشير النظرة التاريخية الى العلاقات الايرانية الامريكية في فترات حكم ترامب الاولى والثانية الى سيادة عدد من الابعاد هي :
أ- العداء الشديد : وهو ما يتضح في االضربات العسكرية المتبادلة والخنق الاقتصادي والتشويه السياسي والتغلغل الاستخباري وتحريض الحلفاء لكل جانب على المشاركة ضد الطرف الآخر والتهديد المتواصل …الخ.
ب- فقدان الثقة: كما هو في السياسة دائما ،حيث الطريق الى جهنم معبد بالنوايا الحسنة، فترامب المحشو بالزهو والتعالي الموهوم ينظر الى ايران كدولة” تخفي اكثر مما تعلن، ولديها مبدأ التقية الديني “، وحوله وزير دفاع لا يرى ايران الا كامتداد لتنامي اسلامي لا يجب التعامل معه الا كحلقة من حلقات الحروب الصليبية الجديدة(وهو عنوان كتابه المنشور والذي عرضنا اهم محتوياته سابقا)، أما ايران فقد علمها الميدان الحربي والضربات المتلاحقة اولا، كما ان رصد واحدة من اهم صحف العالم(واشنطن بوست) لاكثر من ثلاثين الف وخمسمائة كذبة لترامب خلال اربع سنوات تجعل تصديقه امرا مستحيلا ، ناهيك عن شهادات ابرز علماء النفس الامريكيين بان ترامب بنرجسيته الحادة والمرضية يكذب حتى على نفسه معتبرا ذلك نوعا من “الحنكة”، بينما هو يشبع نرجسيته التي لا تشبع من الاطراء .
ت- القدرة المتبادلة على الايذاء، من العسير غض الطرف عن الايذاء الاقتصادي الذي يقع على ايران منذ انسحاب ترامب من الاتفاق النووي ، كما ان ضرباته العسكرية المفاجئة وحصاره لمضيق هرمز ،واحتجازه اموال ايران ..الخ شكلت ملمحا واضحا في العلاقة بين الطرفين، لكن ايران ساهمت بالمقابل في افساد اغلب مخططات ترامب من خلال اغلاق مضيق هرمز ،والتهديد باغلاق باب المندب ناهيك عن استهدافها للقواعد الامريكية والحاق اذى كبير بها طبقا لما تسرب لاحقا، واستمرار غموض حدود برنامجها النووي.
ث- ادعاء الانتصار في كل جولة: من الواضح ان كلا من ايران وامريكا “تدعي وصلا بليلى”، ومن الصعب حتى الآن تحديد نسبة النصر لمن يدعي تحقيقه ، وما هي الاسس التي سيتم الحساب عليها، ووزن كل متغير من متغيرات معادلة النصر.
لكن كل ما سبق لا ينفي رغبة الطرفين في التفاوض ،وتظهر هذه الرغبة جلية احيانا وعلى استحياء احيانا أخرى، لكن تحليل التفاوض يجب ان لا يغفل انه يدور ضمن بيئة صنعتها الشواهد الاربعة السابقة، ويكفي التأمل في الآتي:
أولا: الحديث الجاري حاليا عن مرحلتين ، فهناك حديث عن ” مذكرة تفاهم”(Memorandum of Understanding ) اولية ،وآخر عن اتفاق ( Agreement) لاحق دون توضيح للصفة هل هو هذا ام : Treaty او Protocol أو Convention ؟
والاهم في هذه المصطلحات القانونية التفاوت في درجة “الالزام القانوني” لكل منها، بل احيانا يتم التوصل لاتفاقات لكنها “غير ملزمة”. وهو ما يستوجب التدقيق في مدى ما سيتم الاعلان عنه مع شروط معاهدة فيينا الخاصة بقانون المعاهدات.
اما التفاهم فهو في مجمل استخداماته لا يُرتب التزاما قانونيا قابلا للمساءلة القضائية، ويبقى في دائرة تنظيم التعاون وتحديد المبادىْ العامة و ” النوايا ” المشتركة.
وحتى الآن لم نطلع على اي نص رسمي للتفاهم ولا نستطيع ان نبني تصورا على “الاتفاق اللاحق “بعد شهرين، والذي من المفترض ان يكون نقلا للتفاهم من زاويتين هما الانتقال الى الاجراءات ثم تحديد الالتزامات والنتائج المترتبة على الاخلال بتلك الالتزامات ، وهنا يحط الشيطان رحاله بين التفاصيل، وقد لا ننتقل من مرحلة التفاهم الى مرحلة الاتفاق.
فإذا انتقلنا من البعد القانوني الذي لا نراه الا انعكاسا للواقع الميداني ، يُطِلُ علينا البعد السياسي ، وهنا لا بد من التوقف عند بعض ما تم الحديث عنه.
ثانيا: هناك نص –على الاقل حسب ما تم نشره بخصوص مذكرة التفاهم- بان وقف اطلاق النار يشمل “كل الجبهات” وخاصة لبنان، وهنا اجد ان التخصيص يعني أولوية لبنان على غيرها من الجبهات والا لماذا التخصيص؟ أرى أن هذا طلب اسرائيلي اساسي، ، وهنا اشعر ان هذه الصياغة تعطي هامشا فضفاضا لمدى شمول النص لغزة ولا يمنحها القدر من الالزام بنفس القدر للبنان، وهو ما ينطوي على احتمال ابقاء المجال مفتوحا لاسرائيل للاجهاز على ما تبقى من المقاومة في غزة ، وينطوي على طمأنة لاسرائيل بأن درجة الالتزام في غزة تأتي في مرتبة أدنى وقابلة للمناورة حولها.
كان من الضروري الآن- واكثر ضرورة عند صياغة الاتفاق في المرحلة اللاحقة- ان يتم التاكيد على وقف اطلاق النار في غزة والاشارة لها بالنص لا بعبارة” جميع وخاصة لبنان او بما فيها لبنان “، او ان يتم النص على الجميع دون تخصيص، وهذا اضعف الايمان.
ولا بد من مسالة اخرى، وهي التأكيد على أن ” القضية الفلسطينية هي سبب عدم الاستقرار في المنطقة وسبب كل ما يترتب على عدم الاستقرار هذا، لذا فان اولوية تسوية القضية الفلسطينية يجب ان تحظى بالاولوية ، فهي سبب كل الصراعات الشرق اوسطية تقريبا، فكيف نعالج النتيجة ونترك السبب؟ وهذه المسالة هي السائدة في الدوائر الصينية والروسية والاوروبية بل واغلب دول العالم، فلماذا يتم تغييبها في اللحظة الحاسمة؟
ان تغييب غزة من اي اتفاق يعني أولوية اسعار البترول على “الدم والمرض واليُتم والقهر والتعذيب والدمار والامراض والتشرد والاعتقال ” في غزة، وهو ما يفقد محور المقاومة “دلالات نشوئه، ولا بد من ان يتضمن الاتفاق اعادة اعمار القطاع وترك الفلسطينيين يقررون شؤونهم بانفسهم لا ان يقررها ترامب بمجلس سلامه.
لا احد ينكر اهمية الموضوع النووي ، ولا رفع العقوبات، ولا اعادة الاموال المحجوزة، لكن تغييب غزة والموضوع الفلسطيني من النص الواضح الصريح في الاتفاق القادم يعني اظهار المحور وكأنه فقط “توظيف براغماتي ” لنيل ايران حقوقها، وهو ما اعتقد انه يسيء لايران اكثر مما يخدمها، ولا اظن وبقوة ان ايران بنت هذا المحور للوصول لهذه النتيجة.
رغم ذلك كله، فان ما اشرنا له هو من باب التحذير لا أكثر ، فالنص لمذكرة التفاهم ما زال بين أخذ ورد ولم يتم نشر النص الكامل، والحديث عن مرحلة الاتفاق خلال شهرين يشي بأن وراء الاكمة الكثير ، فهل هناك رهان اسرائيلي على تحولات قادمة يمكنها من “تاويل النصوص” كما تشتهي وكما هي العادة، أم ان ايران تراهن على شيء ما ؟ فالسياسة نظام مفتوح على كل الاحتمالات…ويبدو ان العودة الاسرائيلية لمهجمة الضاحية الجنوبية في بيروت هو محاولة “لتكريس موقف ” يمكن العودة له لاحقا، كما انه محاولة لجر ايران للرد وعرقلة المسار بخاصة ما يتعلق منه بلبنان..فالاحتمالات كثيرة..
ان الاتفاق القادم- إذا وصلنا له- يجب ان يتضمن نصوصا صريحة على عقوبات المخالفة لبنوده، وهي امور لا اظنها غائبة عن “الخبرة الايرانية التفاوضية” بخاصة ان اسرائيل هي صاحبة أكبر عدد من التجاوزات ، ويكفي النظر في عدد الادانات لها في الامم المتحدة والتي تجاوزت ثلاثة اضعاف مخالفات بقية دول العالم طبقا لسجلات المنظمات الدولية.
بالنسبة لاسرائيل ، لا ارى الامر الا من باب محاولتها فتح المجال لتشريد غزة عبر اطالة الحصار والتضييق واستغلال الظروف غير المحتملة عبر كل اجراء يخالف حتى الحد الأدنى من الحس الانساني ، وافراغ اكبر قدر ممكن من سكان الضفة الغربية، وبناء مناطق عازلة حول اسرائيل في كل الجبهات ،ليكون ذلك مقدمة لاسرائيل الكبرى “الاقتصادية” إذا عجزت عن تحقيق اسرائيل الكبرى الجغرافية، أي الأخذ بتصور رابين وبيريز لا نيتنياهو وجنوده، وان لم يتجه الاتفاق الايراني الامريكي في اتجاه يلجم هذا التوجه ، فالكارثة قادمة..قادمة..
