ثمة لحظات في التاريخ العسكري لا تُعلن عن نفسها بصخب، بل تتسلل هادئةً عبر تفاصيل ميدانية يتجاهلها المحللون في البداية، قبل أن يدركوا لاحقاً أنهم كانوا يشهدون تحولاً لا رجعة فيه. كانت إحدى هذه اللحظات في سبتمبر 2019، حين خرق أسراب من المسيّرات الصغيرة والصواريخ الكروز سماء المملكة العربية السعودية وأصابت منشأتي أرامكو في بقيق وخريص بدقة جراحية مذهلة، فشلّت لوهلة خُمس الإنتاج النفطي العالمي. لم يكن الحدث مجرد هجوم على بنية تحتية، بل كان إعلاناً عملياً أن فلسفة الحرب دخلت مرحلة جديدة كلياً، مرحلة لا تكفي فيها لمواجهتها أنظمة الدفاع الجوي الباهظة التي بنتها الدول الكبرى على مدى عقود، ولا تنفع فيها معادلات القوة التقليدية القائمة على حجم الجيوش وعدد الدبابات وعمق المدرجات الجوية.
هذا التحول لا يمكن فهمه في عزلة عن سياقه الفكري والعقدي. فالأسراب المسيّرة ليست سلاحاً جديداً أُضيف إلى ترسانة قديمة، بل هي المظهر الأكثر إثارةً وإرباكاً لعقيدة عسكرية كاملة تُعيد بناء فلسفة الحرب من أساسها، يُطلق عليها الأمريكيون اسم “العمليات المشتركة متعددة المجالات” أو JADO، وهي عقيدة تنبثق من سؤال واحد: إذا كان الخصم يستطيع تقييد تفوقك الجوي بصواريخ دقيقة، وتهديد أسطولك البحري بأسلحة فرط الصوتية، واختراق شبكات قيادتك بهجمات سيبرانية، فكيف تُحقق الانتصار في بيئة لم يعد فيها تفوقك في أي مجال منفرد كافياً؟
الجواب الذي توصّلت إليه الاستراتيجية الأمريكية بعد سنوات من المراجعة الشاقة التي تلت الصعود الصيني والروسي المتسارع، هو أن الفوز لم يعد يتحقق بالسيادة على ساحة قتال واحدة، بل بتحقيق التكامل الفوري والمتزامن عبر مجالات الحرب الخمسة جميعها في آنٍ معاً: البر والجو والبحر والفضاء والفضاءالسيبراني. وهذا التكامل ليس مجرد تنسيق إجرائي بين صنوف الأسلحة كما كان الحال في عقيدة الحرب المشتركة التقليدية، بل هو دمج بنيوي عميق يجعل من كل مجال رافداً للمجالات الأخرى في حلقة معلوماتية واحدة تعمل بسرعة تفوق قدرة الخصم على الاستيعاب والردّ. هذه السرعة هي الجوهر، وقد صاغ فيلسوف الجو الأمريكي جون بويد إطارها النظري في مفهوم دورة OODA الشهيرة — المراقبة والتوجيه والقرار والتنفيذ — إذ يُحسم الصراع لمن يستطيع إكمال هذه الدورة أسرع من خصمه، ومن ثَمَّ يدخل داخل حلقة قراره ويُشلّ قدرته على الاستجابة المتماسكة.
هنا تتجلى العلاقة التكوينية بين الأسراب المسيّرة وعقيدة JADO، لأن السرب هو الأداة الأمثل لتحقيق ضغط دورة OODA بصورة لم يُتَح للعقيدة العسكرية تخيّلها من قبل. تصوّر سرباً من مئة مسيّرة تُطلق في وقت واحد من اتجاهات متعددة: عشرون منها تُنفّذ مهام الاستطلاع وتُرسل صورة ميدانية لحظية إلى مركز القيادة والسيطرة، وثلاثون تحمل حمولات تشويش إلكتروني تُعطّل رادارات الخصم وتفصل وحداته عن بعضها، وعشرون تستهدف منظومات الدفاع الجوي لفتح ثغرة لطيرانه المأهول، وثلاثون يتولّى بعضها الضربات الانتحارية وبعضها الآخر إبقاء خيوط المعلومة حيّة ومتدفقة. هذا التوزيع الوظيفي الذكي يجري في لحظة واحدة عبر مجالات متعددة، ولا يمكن للمدافع أن يُعالجه بأدوات تفكير خطية تقليدية.
غير أن فهم السرب يستلزم الفصل بين ثلاثة أجيال لا ينبغي الخلط بينها، لأن طبيعة كل جيل تُحدد طبيعة التهديد الذي يُمثّله ومنطق الرد عليه. الجيل الأول من الأسراب يعمل وفق مسارات مبرمجة مسبقاً وبروتوكولات تنسيق ثابتة، وقد كان برنامج “برديكس” الأمريكي الذي اختُبر عام 2017 بإطلاق مئة وثلاث مسيّرات من طائرات مقاتلة نموذجه الأوضح. هذا الجيل مفيد لكنه هشٌّ أمام الحرب الإلكترونية لأن بروتوكولات اتصاله يمكن اختراقها أو تشويشها. الجيل الثاني يستخدم خوارزميات التعلم الآلي لجعل وحداته قادرة على التكيّف مع البيئة القتالية المتغيرة في الوقت الفعلي، إعادة توزيع المهام داخلياً عند فقدان وحدات، التمييز بين أنواع الأهداف، واتخاذ قرارات لحظية ضمن حدود مُعرَّفة مسبقاً. أما الجيل الثالث الذي لا يزال في طور البحث المتقدم فيعتمد على الذكاء الاصطناعي العميق لاتخاذ قرارات مستقلة حقيقية تشمل الاستهداف والإذن بالاشتباك، وهنا يقع قلب الجدل الأخلاقي الذي يُعصف بالقانون الدولي الإنساني ويُربك المؤسسات الدفاعية والقانونية على حدٍّ سواء.
الاستعارة البيولوجية التي يستخدمها المنظّرون لوصف الأسراب ليست مجرد تجميل بلاغي، بل تُشير إلى ثلاثة مبادئ بنيوية جوهرية تميّز السرب عن أي سلاح جماعي سابق. المبدأ الأول هو اللامركزية: لا يوجد في السرب قائد واحد يصدر الأوامر، بل تتخذ كل وحدة قراراتها بناءً على قواعد محلية بسيطة وبيانات واردة من الوحدات المجاورة، مما يجعله شبه محصّن ضد الحرب الإلكترونية التي تستهدف عقد القيادة والسيطرة. المبدأ الثاني هو السلوك الانبثاقي: الأنماط الجماعية للسرب لا تُوجَد في أي وحدة منفردة بل تنبثق من التفاعل بين الوحدات جميعها، وهذا ما يجعل نمذجته وتوقّع سلوكه مستقبلاً تحدياً يستعصي على عقول التحليل التقليدي. المبدأ الثالث هو التكرارية: إسقاط ربع السرب لا يُعطّل مهمته بل يُعيد توزيعها على ما تبقّى، وهذا على النقيض المباشر من الطائرة الحربية المأهولة ذات القيمة العالية التي يُشكّل إسقاطها خسارة استراتيجية تطال المعنويات قبل أن تطال الميزانية الدفاعية.
ميادين القتال الراهنة قدّمت ما لم تستطع المختبرات تقديمه: الاختبار الحقيقي. ففي أوكرانيا منذ عام 2022، قدّمت الحرب أول مختبر واسع النطاق للأسراب في بيئة قتالية عالية الكثافة ضد خصم يمتلك قدرات دفاعية متطورة. طوّر الطرفان قدرات متسارعة بصورة لافتة: أسراب أوكرانية استهدفت مستودعات الذخيرة الروسية ومحطات الوقود والرادارات بتنسيق يُعكس فهماً تكتيكياً ناضجاً، فيما ردّ الروس بأسراب مسيّرات “شاهد” الإيرانية الأصل في ضربات استنزاف ممنهجة للبنية التحتية الأوكرانية. الدرس الاستراتيجي الأكثر عمقاً لم يكن في طبيعة الأسلحة المستخدمة بل في ما كشفه من عجز منظومات الدفاع الجوي الراهنة عن التعامل مع أسراب متواصلة اقتصادياً ومستدامة تشغيلياً، مما أجبر كلا الطرفين على الاستثمار المتسارع في منظومات حرب إلكترونية مضادة وأنظمة اعتراض متخصصة.
لكن الخلط الأكثر شيوعاً بين المحللين يقع حين يقرؤون الأسراب بوصفها سلاحاً هجومياً فحسب، متجاهلين وظيفتها العميقة في بنية عقيدة JADO بوصفها عقدة شبكية متنقلة. في الإطار العملياتي لهذه العقيدة، تعمل الأسراب على ثلاثة مستويات متزامنة: مستوى جمع المعلومة وإرسالها في الوقت الفعلي لبناء صورة ميدانية موحدة عبر المجالات الخمسة، ومستوى استنزاف البنية الدفاعية للخصم وإجباره على الاختيار بين خيارات كلها مكلفة، ومستوى تحقيق ضغط نفسي ومعلوماتي يُشتّت قدرته على اتخاذ قرار متماسك في وقت مناسب. وفي هذا السياق يمكن فهم ما يُسميه المنظّرون الغربيون “معضلة المدافع”: حين يواجه نظام دفاع جوي سرباً من خمسين مسيّرة، يجد نفسه أمام اختيار مكلف في كلتا حالتيه، فإذا حاول اعتراض كل وحدة يستهلك صواريخ بقيمة مليون دولار للوحدة لمواجهة مسيّرات لا تتجاوز تكلفتها بضعة آلاف، وإذا أولى الأولوية وتجاهل بعض الوحدات يجازف بأن تُحقق المُهملة منها أهدافها الحيوية. ويتفاقم هذا الانهيار في معادلة التكلفة-الفعالية حين يعمل السرب بالتزامن مع تهديدات من مجالات أخرى — صواريخ كروز من البحر وهجمات سيبرانية على شبكة القيادة — مما يُشتّت الموارد الدفاعية ويُجبرها على التوزّع حتى الإنهاك.
الصناعة الدفاعية لم تصمت أمام هذا التحدي، وشهدت السنوات الأخيرة ظهور ما يُعرف بمنظومات التصدي للأسراب (C-UAS) التي تتوزع على أربعة مستويات تعمل في تكامل هرمي. المستوى الأول هو الكشف والرصد المبكر، وقد تطوّرت أنظمة الرادار والاستشعار الصوتي والبصري المدعوم بالذكاء الاصطناعي لتستطيع رصد أهداف صغيرة ومتعددة الاتجاهات بدقة متزايدة، وتُمثّل منظومتا “FortemTech” الأمريكية و“Drone Dome” الإسرائيلية أمثلة واضحة على هذا المستوى. المستوى الثاني هو الاعتراض الإلكتروني بالتشويش وكسر الاتصال بين السرب ومشغّله، وهو الأسلوب الأقل تكلفةً والأسرع نشراً، لكنه يفقد فاعليته تماماً أمام الأسراب المستقلة من الجيل الثالث التي لا تحتاج إلى اتصال مستمر من الأصل. المستوى الثالث هو الاعتراض الحركي عبر صواريخ متخصصة قصيرة المدى وشبكات فيزيائية ومسيّرات اعتراضية، وهو الأسلوب الأقل قابليةً للاستدامة اقتصادياً أمام الأسراب الكبيرة. أما المستوى الرابع الذي يُمثّل القفزة الحقيقية فهو الطاقة الموجّهة، إذ تتيح الليزرات الدفاعية كمنظومة “HELIOS” البحرية الأمريكية و“Iron Beam” الإسرائيلية اعتراض مسيّرات بتكلفة دولارات قليلة لكل طلقة مع قدرة على الإطلاق المتواصل غير المحدود طالما توفّر المصدر الكهربائي، وهذا ما يجعلها الإجابة الأكثر إبداعاً على انهيار معادلة التكلفة-الفعالية التي يُحدثها السرب. لكن الواقع الراهن يُشير إلى أن لا منظومة واحدة تستطيع التصدي الشامل لسرب كبير من الجيل الثاني والثالث، والحل يكمن حتماً في التكامل الهرمي بين هذه المستويات الأربعة — وهو بدوره ما تسعى إليه عقيدة JADO في بُعدها الدفاعي.
لا يكتمل تحليل هذه المنظومة دون مواجهة الأسئلة الأخلاقية والقانونية التي تطرحها على بنية القانون الدولي الإنساني بأسرها. فهذا القانون يقوم منذ تبلوره في اتفاقيات جنيف على ثلاثة مبادئ محورية: التمييز بين المقاتلين والمدنيين، والتناسب بين الضرر المدني والميزة العسكرية، والاحتياط باتخاذ كل الإجراءات الممكنة لتجنب إيذاء المدنيين. والسؤال الذي يحرج المنظّرين القانونيين وقادة الجيوش على حدٍّ سواء هو: هل يستطيع نظام ذكاء اصطناعي يتخذ قرارات قتالية مستقلة تطبيقَ هذه المبادئ بمستوى يُعادل الحكم البشري في بيئة ميدانية متقلبة؟ وحين تُخطئ مسيّرة مستقلة وتستهدف تجمعاً مدنياً، من يتحمل المسؤولية القانونية والأخلاقية؟ أهو المبرمج الذي كتب الخوارزمية في مختبره البعيد، أم القائد العسكري الذي أذن بنشر السرب، أم الدولة المنتجة، أم لا أحد فعلاً؟ هذا ما يُسميه الباحثون “فجوة المساءلة”، وهي فجوة لا يملك القانون الدولي الراهن إجابة مُقنعة عنها. وتسعى الدول الكبرى إلى التعامل مع هذه الأزمة بمفهوم “الرقابة البشرية الفاعلة”، أي أن يبقى إنسان في حلقة القرار الخاص بالإذن بالاشتباك القاتل، غير أن هذا المفهوم يصطدم بعقبة تكنولوجية جوهرية: حين يتصرف السرب بسرعات تفوق قدرة الإنسان على المعالجة والقرار، تصبح “الرقابة الفاعلة” وهماً عملياً حتى وإن ظلّت حرفياً إجراءً رسمياً مسجّلاً في أوامر التشغيل.
خريطة القوى الراهنة في مجال الأسراب تُرسم على ثلاث طبقات لا ينبغي التبسيط في قراءتها. في الطبقة الأولى تقف الولايات المتحدة والصين متقدمتين بفارق واضح عن البقية، غير أن الفارق بينهما ذاتهما لا يُقاس بعدد المسيّرات بل بعمق الدمج البنيوي للأسراب في عقيدة قتالية شاملة وبنية قيادة وسيطرة تستطيع استيعاب وتوظيف المعلومة الهائلة التي يُنتجها السرب في الوقت الفعلي. الصين تبني قدراتها في إطار استراتيجية A2/AD المحيطة بتايوان، وهي استراتيجية تُوظّف الأسراب البحرية والجوية لتحويل المحيط إلى بيئة معادية لأي قوة إسناد أمريكي. في الطبقة الثانية تبرز إسرائيل وتركيا وإيران كقوى إقليمية اختبرت قدراتها ميدانياً: تركيا في ناغورنو-كاراباخ حيث غيّرت طائرات “بيرقدار” معادلات صراع كان يبدو محسوماً، وإيران بنموذج لافت يقوم على تطوير قدرات أسراب منخفضة التكلفة وتوزيعها على وكلائها الإقليميين بما يُحوّل ديناميكية الردع وتعقيد الإسناد في آنٍ معاً. في الطبقة الثالثة، ولعلها الأكثر قلقاً للمخططين الاستراتيجيين، تقع الجهات غير الحكومية التي باتت تمتلك مسيّرات ذات قدرات أسراب أولية — من حزب الله شمالاً إلى الحوثيين جنوباً — مما يُطرح معه سؤال جدي وعسير عن مستقبل احتكار الدولة لعنف الأسراب في منطقة كالشرق الأوسط تتشابك فيها شبكات الوكالة والنفوذ.
وهذا الواقع يضع الدول العربية أمام تحديات استراتيجية متشعّبة تتجاوز مجرد الحاجة إلى اقتناء أسلحة جديدة. فالأسراب التي كشفت عنها هجمات أرامكو 2019 كانت في جوهرها كاشفاً لثغرة بنيوية في تصميم منظومات الدفاع الجوي الإقليمية، التي صُمِّمت لمواجهة تهديدات باليستية وصاروخية تقليدية من الجيل الثاني والثالث، لا لمواجهة عشرات الأهداف المتزامنة القادمة من ارتفاعات منخفضة وزوايا متعددة في توقيت واحد. وبناء قدرة دفاعية حقيقية ضد هذا التهديد يستلزم تكاملاً هرمياً للمستويات الأربعة التي أشرنا إليها، وهو تكامل مكلف تقنياً ومؤسسياً يتجاوز شراء منظومة دفاعية جاهزة. أما الحاجة إلى قدرات هجومية في الأسراب، وهي حاجة باتت ضرورة استراتيجية لا ترفاً تسليحياً، فتستلزم استثمارات في الذكاء الاصطناعي وهندسة الأنظمة وبنية الاتصالات المتينة وثقافة ابتكار دفاعي لا تُكتسب بالاستيراد وحدهمهما بلغت قيمته المالية. والمسألة الأعمق أن انخراط هذه الدول في مسارات التنظيم الدولي للأسلحة المستقلة — وهو ملف لا يزال مفتوحاً ومتاح التأثير فيه — ينبغي أن يُصبح أولوية دبلوماسية وليس تابعاً للأجندات الكبرى، لأن قواعد اللعبة حين تُرسم ستُرسم بوزن من يُشارك في صياغتها.
يستدعي الاستشراف الصادق الاعتراف بأن ثمة ثلاثة سيناريوهات تتنافس على تشكيل الواقع بحلول نهاية هذا العقد. الأول هو سيناريو الديمقراطية القسرية للأسراب، حيث تتراجع التكاليف بشكل حاد مع تقدم الطباعة ثلاثية الأبعاد ورقاقات الذكاء الاصطناعي المتاحة تجارياً فيمتلك مئة دولة وعشرات الجماعات قدرات أسراب فاعلة، مما يُحدث توترات عميقة في النظام الدولي ويجعل البنية التحتية الحضرية هدفاً سهل المنال. الثاني هو سيناريو الهيمنة الثنائية، حيث تتمكن واشنطن وبكين من الحفاظ على فجوة تقنية تُبقي الأسراب المتقدمة في نادٍ حصري يُعيد رسم نظام دولي ثنائي القطبية مع ضغوط مماثلة لوضع آليات ضبط على غرار ما أفرزته الحرب الباردة النووية. الثالث، وهو ربما الأكثر احتمالاً على المدى المنظور، هو سيناريو الاستقرار عبر الاستنزاف المتبادل، حيث تتطوّر قدرات الأسراب الهجومية والدفاعية لدى الأطراف الكبرى إلى نوع من توازن الردع يُقيّد الاستخدام المباشر بينها، لكنه يُرسّخ في الوقت ذاته منطق الحروب بالوكالة ويُوسّع نطاقها الجغرافي والتقني على نطاق لم يشهده عالم الحرب الباردة.
ما يمكن قوله بيقين هو أن النماذج التقليدية للتفوق العسكري — القائمة على حجم الجيش وعمق الترسانة وشمول الغطاء الجوي — تتراجع أمام نماذج جديدة تُقدّر السرعة والتوزّع والذكاء الشبكي وقدرة منظومة القيادة والسيطرة على استيعاب البيانات الهائلة وتحويلها إلى قرار أسرع من قدرة الخصم على الاستيعاب. وهذا التحوّل لا يُصيب بنية الأسلحة وحدها بل يُصيب في عمقه منطق الردع ومعادلات الاستقرار الإقليمي وبنية السيادة والمساءلة في القانون الدولي. الإجابة عن هذه الأسئلة ليست ترفاً فكرياً لأكاديميات الحرب وقاعات الدراسات الاستراتيجية، بل هي العمل الأكثر إلحاحاً لكل من يرى في الأمن الإقليمي قضيةً حقيقية لا مجرد موضوع تحليل.
