كم الساعة على القمر؟.. السر مخبأ داخل “فوهات الظلام الأبدي”

تتهيأ البشرية لمرحلة جديدة من استكشاف الفضاء، مع تصاعد الخطط الرامية إلى العودة إلى القمر وبناء وجود بشري دائم عليه ضمن برنامج «أرتميس» التابع لوكالة الفضاء الأميركية NASA. غير أن هذا الطموح يواجه تحديًا تقنيًا شديد الحساسية يتمثل في كيفية ضبط الوقت على سطح القمر بدقة تتيح الملاحة الآمنة، وعمليات الهبوط، وإدارة القواعد البشرية المستقبلية.

المفارقة أن الحل المقترح قد يأتي من أكثر مناطق القمر ظلمة وبرودة؛ من داخل ما يُعرف بـ«فوهات الظلام الأبدي»، وهي حفر عميقة تقع قرب القطبين الشمالي والجنوبي للقمر، لا تصلها أشعة الشمس مطلقًا بسبب طبيعة ميلان القمر وزوايا دورانه حول الأرض والشمس. وتبقى هذه الفوهات غارقة في ظلام دائم، مع درجات حرارة متطرفة قد تصل إلى نحو 223 درجة مئوية تحت الصفر، إلى جانب غياب شبه كامل للهواء والاهتزازات، ما يجعلها بيئة مثالية لتشغيل أكثر الأجهزة العلمية حساسية.

ضمن هذا السياق، يرى فريق من الباحثين بقيادة الفيزيائي Jun Ye أن هذه المواقع قد تمثل المكان الأنسب لبناء أدق «ساعة قمرية» عرفها البشر حتى الآن. وتعتمد الفكرة على وضع ليزر فائق الدقة داخل تجويف مصنوع من السيليكون ومبرّد إلى درجات تقترب من الصفر المطلق، بحيث يعمل هذا الليزر مرجعًا زمنيًا رئيسيًا للقمر، قادرًا على إرسال إشارات توقيت دقيقة للغاية إلى المركبات الفضائية والأقمار الصناعية التي تدور حوله.

ويقترح العلماء أيضًا تثبيت ليزر ثانٍ على حافة الفوهة لربط نظام التوقيت بالمركبات القادمة والهابطة على سطح القمر، في خطوة قد تؤسس مستقبلًا لنظام ملاحة قمري شبيه بـ«GPS» الأرضي، يسمح بإدارة الحركة والاتصالات والبنية التحتية الفضائية بدرجات غير مسبوقة من الدقة.

تكمن أهمية هذه الفكرة في حقيقة علمية أساسية ترتبط بـTheory of Relativity، إذ إن الزمن لا يمر بالمعدل نفسه في كل مكان. وبسبب اختلاف الجاذبية بين الأرض والقمر، تتحرك الساعة على سطح القمر بسرعة أعلى قليلًا من نظيرتها على الأرض. ورغم أن هذا الفارق لا يتجاوز نحو 0.0000575 ثانية يوميًا، فإنه يتراكم تدريجيًا ليصل إلى قرابة 5.75 ثوانٍ خلال نحو 274 عامًا.

قد يبدو هذا الفرق ضئيلًا بالنسبة للبشر، لكنه بالغ الخطورة بالنسبة لأنظمة الملاحة الفضائية، لأن عمليات التوجيه والهبوط تعتمد على دقة زمنية متناهية، وأي انحراف ولو كان صغيرًا قد يؤدي إلى أخطاء كبيرة أثناء التنقل أو الهبوط على سطح القمر.

ويستند المشروع إلى التطور الهائل الذي شهدته الساعات الذرية البصرية خلال السنوات الأخيرة، وهي أجهزة بلغت من الدقة مستوى يمكّنها من قياس فروقات الجاذبية بين قمة جبل وقاعدته. ويُعد فريق الباحث جون يي من أبرز المساهمين في تطوير «ساعة الشبكة البصرية»، التي تُصنف حاليًا بوصفها من أدق الساعات في تاريخ البشرية، وأسهمت في دفع العلماء نحو إعادة تعريف «الثانية» مستقبلًا بمعايير أكثر دقة.

ولا تقتصر أهمية هذا المشروع على استكشاف القمر وحده، بل قد تنعكس نتائجه أيضًا على الأرض عبر تحسين أنظمة الملاحة العالمية، والاتصالات، وتقنيات قياس الزمن فائقة الدقة. ومع تسارع الخطط الدولية لبناء وجود بشري دائم خارج الأرض، لم يعد سؤال «كم الساعة على القمر؟» مجرد فضول علمي، بل تحول إلى أحد الأسئلة الجوهرية في مستقبل الحضارة البشرية خارج كوكبها الأم