مطبخ المدينة.. بوتقة اختزلت الملامح الدمشقية وحالة احتضنت السردية السورية

إسقاطات متشبثة جالت وتأرجحت في ثنايا العقل العربي خلال تسمره أمام مطبخ المدينة، باعتباره بوتقة اختزلت الملامح الدمشقية، وحالة توثيقية احتضنت السردية التي انتظرها السوريون ليجدوا فيها التعبير المجازي والمعنى الحقيقي والأسمى عن حالة اعتاشوا تفاصيلها عنوة أمام عصابات ضارية كانت تحكمهم دون شفقة أو رحمة.
مسلسل مطبخ المدينة ليس حالة عابرة أو عملًا دراميًا موسميًا فحسب، بل هو مرجع تاريخي لحقبة كانت تنتظر من يجرؤ ليتحدث عنها دون مجابهة مقص رقيب أو الانجرار في غياهب التبريرات الإنشائية المعهودة. هذا العمل، الذي تأجل إنتاجه عدة مرات، كتب عليه أن يكون السردية الثابتة الحقيقية التي تلخص سوريا في أواخر نظام الأسد البائد، والولوج إلى المرحلة الجديدة التي تحتاج للكثير لملامسة التغيير الذي طال انتظاره بعد جحيم الحرمان والقهر الذي عانى منه السوريون على مضض.
التكامل والتناغم الذي أحرزه مسلسل مطبخ المدينة بين ضجيج العاصمة تارة، وتناقضات المدينة تارة أخرى، إلى جانب المحاولات المستميتة لابتداع أفكار جديدة، خلق حالة من الإبداع لم تسرد من قبل، ليكون عملًا مرادفًا لـ غزلان في غابة الذئاب الذي علق الجرس لمخاطر مافيا الأسد وتنبأ مبكرًا بماهية الأحداث المقبلة، بينما المطبخ تحدث عن المحصلة النهائية لما آلت إليه الأمور، وكتب بداية الملاحظات للمرحلة الجديدة التي انتظرها السوريون بأرواحهم ودمائهم وصبرهم.
في مطبخ دمشق، الذي حاكى تفاصيل وحكايا أناس كتب عليهم الظلم والقهر والاستبداد تحت وطأة نظام قاهر وجاثم على قلوب الملايين منهم، يوثقون أبرز الجرائم البشعة التي ارتكبها نظام الأسد البائد، ومن بينها: فضائح القضاء وسجن الأحداث، وتجارة التسول، وبيع الأدوية المهربة، وسرقة السيارات، وتواطؤ رجال الأمن مع المجرمين لكسب المال، وللمرة الأولى في تاريخ الدراما السورية يأتي عمل درامي ويتطرق لكواليس حزب البعث المنحل.
البؤرة الرئيسة للوحة مطبخ المدينة الإبداعية ارتبطت بمدينة الملاهي التي يختزلها الملايين من الناس بذكريات الطفولة الجميلة، ولكنها في خضم الواقع ما هي إلا حالة للبؤس والتشردم، تحت سيطرة عصابة متمردة تقوم باستغلال الأيادي الناعمة، مختبئة خلف مظلة ثابتة يقف خلفها أصحاب المناصب العليا لاستغلال الأطفال واليافعين للتسول والعمالة وسرقة المركبات والأعمال التخريبية، في حدوتة واقعية تجسد صورة أحلام أطفال تلوث بين الطمع والاستغلال والتحيّد عن الإنسانية.
ونصف الجانب الآخر من اللوحة هو المطعم الجميل بجدرانه وأطباقه وألوانه الدافئة، وإدارته التي تدعي السعادة والابتسامة التي لا تفارق وجهها أمام الزبائن، ولكنها على غير ذلك تمامًا، فالأب مكلوم على ابنته التي فقدها منذ الصغر، والأبن الأكبر وقع في مأزق الضحية والمجرم في آنٍ واحد، وزوجته التائهة التي تبحث عن مخرج لضيقها، والأبن الأوسط الغارق بالخطايا والهموم، والابن الأصغر الذي يسعى دومًا للبحث عن مكان يشبه روحه الجميلة ولكن دون جدوى.
*السيدة وورشا هشام شربتجي.. صانعة المجد وحارسة الذاكرة والهوية
وثقت مخرجة مطبخ المدينة وابل المعاناة التي عاشها السوريون على مضض، وفرحتهم لزوال الغمة، مع تدوين ملاحظات أولية للحقبة الجديدة، ولعل أهمها مسألة العدالة الانتقالية. استطاعت شربتجي أن تخلق توليفة وسردية برؤيتها التي لا يختلف عليها إثنان، بدءًا من اختيار الممثلين والوجوه الجديدة، واختيار مواقع التصوير، والديكورات والإضاءة، واللقطات التي عاشت معنا وجالت في ثنايا القلب، وأضحكت المشاهد مرة وأبكته في مرات عديدة.
استطاعت شربتجي أن تُخرج المدينة بصورة واقعية ودقيقة، وأن تقدم رزنامة يبدأ تاريخها بكلاكيت يوم التصوير الأول حتى شارة النهاية للحلقة الأخيرة، وأن تساند كل ممثل مهما بلغت نجوميته ليقدم كركترًا جديدًا خاصًا به، ولغة جسد تختلف عن كل ما قدم، وأن تربط بمخيلة المشاهد العربي مواقفًا واقعية وتكون جزءًا لا يتجزأ من السردية السورية.
رشا شربتجي تستحق بجدارة أن تتقلد عن والدها لقب “شيخة الكار” بلا منازع، وهذا ليس وراثة بقدر ما هو استحقاق والتزام مهني؛ هي صنعته بأدواتها وخصوصيتها وذكائها كمخرجة لا مثيل لها.
*نص المسلسل
المسلسل الذي كتبه علي وجيه كقصة وسيناريو وحوار، بجانب سيف رضا حامد كمشاركة بالتأليف، هو الأول من نوعه من حيث تقديم الملاحظات الأولية للإدارة السورية الجديدة، للإشارة إلى مفهوم العدالة الانتقالية والحذر من الأشخاص المتقلبين بالمبادئ والمواقف أو ما يسمون “بالمكوعوين”، وليس المقصد تغيير الرأي أو جهة النظر، وإنما تغيير المبدأ العام، كما جسدته الشخصيتان اللتان قام بتجسيدهما خالد القيش ونوار بلبل.
ويحتسب لنص العمل أنه جال في ثنايا ومنمنمات المدينة السورية بأزقتها ومؤسساتها وبيوتها في أواخر نظام الأسد وبداية التحرير، وتطرق لكواليس حزب البعث دون استعراض أو تكلف، ضمن سياق درامي محبوك، إلى جانب تسلسل أحداث منطقي ومجابهة للواقع المعاش دون ابتداع وابتذال.
*عباس النوري.. الشيف طلحت الجمل
الأستاذ عباس النوري، الذي يضم في جعبته العديد من الأعمال المرموقة، قدم شيئاً مذهلاً في المسلسل لم يقدمه في السابق، وعلى الرغم من الخبرة والباع الطويل، رأينا أداءً جديدًا ولغة حديثة يقدمها النوري وكأن هذا العمل الأول في مسيرته، بين التزامه كفنان وحرصه التام واستثنائيته المعهودة التي يفرضها دائماً على المشاهد.
وما ميز الشيف طلحت، هذا الرجل العظيم الذي يقوم بتمضيد جراح أحبابه على الرغم من مأساته الكبيرة بفقدان ابنته ريما ومحاولاته المستميتة لإعادة لمل شمل أسرته والنهوض بمطعمه الذي يعتبره بمثابة ابنه المدلل الذي لم ينجبه، هو التلقائية والإقناع والسيطرة الإيجابية والقوة المجبولة بالإنسانية.
الشيف طلحت، الذي عاد إلى الحياة في الحلقة الأخيرة بعدما التقى بابنته التي أدعت على أنها “ريما” التي فقدها وهي في الرابعة من عمرها، بطلب من ابنه شجاع حتى يرفع معنويات أبيه الذي يمر بظروف صعبة وقاسية جراء فقدان مطعمه ونجله الكبير الذي قتل أربعة أشخاص، استطاع أن يحجز مكانة مهمة ومميزة في تاريخ الدراما السورية.
*أمل عرفة.. نورا
“بعين الله ووضع المنديل بالقرب من الفم”، هكذا ميزت عرفة شخصية نورا المركبة والمتعددة بالأطباع والتصرفات بين الخير والشر والتلقائية والحنان والقسوة وحب المال. نورا، التي كانت شديدة المراس ولينة بذات الوقت، المغالية بشعورها وحبها للآخرين، كانت ضحية وقوية في آن واحد.
أطباعها المتغايرة كانت بحاجة لممثلة استثنائية لتقوم بتجسيدها وتضبط إيقاعها، وإسناد هذه الشخصية لأمل عرفة، نجمة سوريا الأولى، هو الخيار المنطقي والعقلاني، والنتيجة النهائية شاهد عيان على ذلك.
التقلبات التي شابت محيط نورا كانت تستدعي ممثلة قوية تأخذ بيدها؛ لتقوم بسلوكها وتعيدها إلى ساجيتها المبنية على الحب والعطاء والتعاون والتسامح وترك الأثر الطيب، وهذا يتطلب جهدًا استثنائيًا من الممثل. عرفة أدخلت نورا إلى أوسع بوابات الدراما السورية لتصبح ذكرى لن تنسى في المخيلة، إلى جانب عشرات الشخصيات التي وضعتها في وجدان الناس.
أدواتها كممثلة وأداؤها المذهل يشبه كثيرًا الحالة التي عاشها المشاهد العربي في خضم سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، عندما كان يتسمر أمام عمالقة الشاشة الفضية، وحينما يشاهد المتلقي أمل عرفة تتحرك ذاكرته الانفعالية أمام موسوعة من الأعمال، يتأكد جلياً أن الدراما السورية ما تزال بخير. عرفة هي خليفة السنديانة منى واصف، وإن الدراما السورية محظوظة بوجود أمثالها.
*مكسيم خليل.. شجاع
رغم غيابه عن الدراما السورية لسنوات طويلة، استطاع خليل أن يدق أجراس الذاكرة من جديد ويذكر الجميع بخسارة غيابه عن الدراما السورية، منذ مشهده الأول في مطبخ المدينة، وعاد إلى المخيلة بحصيلة دسمة من أعماله الإبداعية، وتحديدًا مع المخرجة رشا شربتجي: ولادة من الخاصرة، تخت شرقي، يوم ممطر آخر، زمن العار. هذا الممثل الاستثنائي اقتبس حاضره من نسيج الإبداع ووحي الفن، فهو ممثل مبهر بصبغة نجم عالمي، وماركة مسجلة عابرة للأزمنة والأمكنة.
تمكن من خلال شخصية شجاع أن يوصل نموذج الشخصية المتناقضة التي أخذتها الحرب إلى عالم لا يشبهها، والتي حذر منها غوستاف لوبون في كتابه سيكولوجية الجماهير. امتزجت شخصيته بين الطيبة والوجدان والمبادئ والشر المطلق، لكنها امتلكت نقطة ضعف، وهي ابنه عمه وعشيقته التي لم ينلها بسبب تقلبات القدر ومشيئة الحياة.
*عبد المنعم عمايري.. عبد الكبير
أربعة أشخاص في شخص واحد، بين الصبر والضعف والإجرام والحزن، قدم العمايري نفسه بقوة عبر المسلسل. استطاع أن يجابه خطوطًا عديدة، أولها الابن الذي يحاول إرضاء أبيه للعودة إلى الكرير الذي عشقه، والثاني البحث عن أخته التي فقدها ومحاولاته لإرضاء زوجته، والثالث تمرده على واقع الحال من خلال ذهابه إلى طرق وخيمة أثقلت دفتر حسابه وجعلته إنساناً تائهاً من خلال شهادة الزور وانتحال شخصية رجل الأمن لإبتزاز الضعفاء، ومن ثم القتل، والمحور الرابع هو فراره وخوفه من الجريمة والعقاب وبحثه عن نفسه المبعثرة.
أداء مذهل قدمه الأستاذ عبد المنعم عمايري كما أدرج اسمه في الشارة، ويستحق بجدارة لقب أفضل ممثل لما قدمه بهذه الشخصية، التي من المستحيل أن يجسدها ممثل عادي أو أكثر من عادي بقليل. فهو قدم أربعة كركترات بشخصية واحدة، اعتنق البساطة والحزن والإجرام والجنون، وحاول أن يبحث عن مبرراته، وأن يخلع ثوب الخنوع، ولكن دون جدوى، وحينما يلقى رجال الأمن القبض عليه، يرفض أن يسلم نفسه، حتى يرتدي ملابس الشخصية التي يرى قوته من خلالها.
*ميسون أبو أسعد.. ناديا
لا يمكن أن يتخيل المشاهد العربي الدراما السورية دون وجود ميسون أبو أسعد، هذه الفنانة المذهلة التي تقدم مجهوداً كبيراً لتحويل الورق إلى شخصيات معاشة موجودة بيننا. كل عمل تقدمه أبو أسعد يترك شخصية ترافق الناس، فمن ينسى بسمة وبدرية ونور ورزان وزبيدة وقطايف، ورابعة وغيرها من الشخصيات التي حفرت في الذاكرة؟ وهذا ليس بالسهل، كونه يتطلب إدارة دقيقة لدفة إيقاع الشخصيات.
استوقفت ناديا الكثير من المشاهدين في مطبخ المدينة، بدءًا من تمردها على حالتها الاجتماعية من خلال دفع زوجها لجلب المال حتى لو كان بطرق غير مشروعة، ومحاولة البحث عن طرق أخرى لكسب المال من خلال سرقة الزيت أو البحث عن وظيفة أخرى لشراء منزل مستقل لها، ومجابهتها للكثير من التحديات والظروف العصيبة، لحين تحقق حلمها وتصبح أماً، وتأتيها رسالة تدعوها إلى تعديل تصرفاتها بعدما أتلف الأسيد جميع الأموال التي كانت تجمعها لسنوات طويلة وتضعها تحت البلاطة. في هذا المشهد قدمت أبو أسعد أداءً يدرس ويستحق أن يكرر المرات والمرات.
وفي المشهد الذي يدخل فيه عبد الكبير مسرعاً ليطمئن على الجنين، وهو يرتدي ملابسه غير المعتادة على ناديا، مما يضطر للاعتراف بحقيقته وأفعاله المشينة، وقف المشاهد أمام الأداء المذهل الذي قدمته ميسون، وهي تحاكي زوجها وتنصحه وتطلب منه التوبة والتقرب من الله كما فعلت واقتدت بنصيحة صديقتها ليال، وتباغثه بالحقيقة بأنه يستحق العقاب، كونها لا تقبل أن يكون والد ابنها مجرمًا دون حساب.
ميسون أبو أسعد هي فنانة استثنائية مرموقة قدمت أداءً راقياً في هذا العمل ويستحق الاقتداء به وتكراره في تجارب مقبلة.
*ملهم بشر.. رضا
ملهم الذي يحمل من اسمه الكثير، حجز لنفسه مكانًا مهمًا في الدراما السورية منذ العام الماضي. فهو ممثل استثنائي في طريقه إلى النجومية، استطاع من خلال رضا، الشاب العفوي الاجتماعي، صاحب المشروع والفكرة، أن يدفع بالأدوار الشبابية إلى مكانة من الصعب الوصول إليها، وأن يكرس فعلاً وتأثيراً من خلال شخصية مركبة مؤثرة ومتأثرة بحدوتة العمل.
رضا، الذي كان في الصفوف الأولى منذ اندلاع الثورة السورية، ودفع ثمن كلمته بقسوة وأصبح بحاجة إلى طبيب نفسي، وفقد شقيقته في ظروف غامضة وخسر عشيقته مايا التي أحبها من أعماق قلبه، امتزجت شخصيته العفوية بالقوة والحزن والصبر، وقد كان رضا ملهماً ومبشراً فيها.
لا يمكن أن ينسى عشاق الدراما السورية مشهد التحرير في مطبخ المدينة، عندما أحضر رضا علم الثورة الأخضر من تحت السرير وخرج به إلى الشارع سعيداً ومحتفلاً بزوال الغمة وتحقيق الحلم.
*جهاد القيش.. صادق
في كل مرة يستطيع الممثل المبدع خالد قيش أن يتحكم بأحداث العمل ويجذب المشاهد إلى عالمه وعوالمه التي أعتاد عليها، فأدواته كممثل وتأثيره فاقت كل وصف. عدا عن استثنائيته بالأسلوب والحالة التي يؤمن بها ويكرسها، وينسج خيوطها بدءًا من الورق حتى موقع التصوير، لينتهي المطاف بمشاهدة القيش بحالة مختلفة عن السابق.
صادق، المحامي المخادع والتاجر القانوني المراوغ، يعاني من حركة لا إرادية في عينيه، والجانب الإنساني من شخصيته يكمن فقط بعلاقته مع طليقته التي يعشقها ويبذل قصارى جهده؛ لكي تشفى من مرض القلب، إلى جانب علاقته الإيجابية مع عمه وأبنائه، إضافة إلى مهنته التي جعلت منه شخصاً براغماتياً خبيثاً. كل هذا كان يتطلب تجسيده من ممثل منفرد أعطى الشخصية الكثير ولمس أعماقها.
*فادي صبيح.. دياب أو الكف
فادي صبيح نجم صف أول بلا منازع، فهو ممثل لا يهوى النجومية ولا يقوى على تأطير تلقائيته بمواصفات النجم الكلاسيكية، ليس لديه هاجس عدد الأوراق ومكان اسمه في الشارة، فهو أستاذ يحفظ درسه ويعرف تمامًا قيمته ومكانته في الدراما السورية ومحبيها.
الشخصية التي جسدها صبيح هي تراجيدية مركبة، تأرجحت بين الخير الذي جسده دياب بحبه لزوجته وحلمه ليصبح أبًا وتأثره بحادثة الزلزال التي جعلته يمشي على كرسي متحرك، والشر المطلق من خلال “الكف”، نصف الجانب الآخر من شخصيته الذي يضحي برفيق عمره من أجل المال والسلطة على مدينة الملاهي ليوسع نفوذه، ويتاجر بالأطفال واليافعين من خلال امتهان التسول. جميع هذه المواصفات لا يمكن أن يجسدها إلا فادي صبيح الاستثنائي.
*محمد حداقي.. فرزات
النموذج محمد حداقي، هذه القامة الفنية التي أشادت بها مخرجة العمل المرات والمرات كثناء مستحق، لفنان طوع أدواته وأسلحته هباءً منثورًا في سبيل الفن والإبداع. لم نرَ لهذا الفنان طوال مسيرته أي سقطة فنية أو خيار غير موفق، وفي كل مرة يتفوق على نفسه ويقدم الجرأة الموضوعية من منظوره الخاص.
محمد حداقي نجم صف أول بلا منازع، فهو من أكثر الممثلين تأثيرًا، ودوره في مطبخ المدينة لم يكن صدفة أو وليد اللحظة، بل نتاج خبرة إبداعية لممثل احترم نفسه وأدرك قيمته ويعرف ماذا يريد وما هو مطلوب منه. ومشهد انتحاره يُدرس.
*زينة بارفلي.. ليال
تأخر نجوميتها ليس أمرًا عائقًا، لأن النجومية لها منظور خاص من وجهة نظرها. هي لم تصرح بذلك بسبب قلة ظهورها الإعلامي، ولكن من الواضح أنها تنتقي وتبحث وتحلل، ولا تهادن ولا تضع نفسها إلا في المكان الصحيح، لأن الفن التزام، وهذا ما جسدته في جميع أدوارها.
زينة بارفلي بدور ليال غردت خارج السرب وتمكنت من خلق مساحة إبداعية خاصة فيها، وأولت بدورها الإنساني العميق التزاماً وإبداعاً وأملاً ليس جديدًا عليها، واستطاعت أن تأخذ المشاهد إلى الحيرة والتساؤل بسبب ملامحها وبعض العلامات الحيوية قبل أن تفصح أحداث العمل عن الأسباب، لتذكرنا بالمبدعة نورمان أسعد في أحلام كبيرة عندما كانت تعاني من قصور في القلب.
*ولاء عزام.. أماني
ولاء عزام قدمت في هذا الموسم الدرامي ثلاثة كركترات مهمة للغاية في مسلسل مطبخ المدينة وسعادة المجنون وعيلة الملك. فهي اليوم تصنع مجدها وتقوم بسلوكها الإبداعي بحذر ومسؤولية، وفي أماني تحديدًا نجد ممثلة قادرة على إحلال التوازن بين الفرح والحزن والحب والتشاؤم بوعي ومسؤولية.
أماني هي ضحية الخطأ، والتي صارعت قدرها وهي تبحث عن نفسها، والأمان والحياة التي تريدها. أحبت نفسها وكانت على يقين بأن هذه الحياة ليست لها، وأن مكانها بين أسرة تحضنها وأب يحرسها بحنانه ودفئه وإنسانيته، وكل هذا كان يتطلب ممثلة قوية قادرة على توظيف الخير والشر في كركتر واحد.
*روبين عيسى.. ذكرى
لفت انتباهي أداء الفنانة روبين عيسى، التي لم تأخذ حقها من وجهة نظري في مسلسل مطبخ المدينة. على الرغم من مساحة دورها الصغيرة، إلا أنها كانت بطلة لحدث مفصلي ومهم، عانقت فيه أحاسيس ومشاعر المتلقين. لم تكترث بمساحة الدور، لأنها على قناعة بأنها قادرة على أن يتذكرها المشاهد المرات والمرات.
*رهام قصار.. يارا
أثبتت رهام قصار من خلال شخصية يارا في المسلسل أن البطولة ليست بعدد المشاهد، إنما بالتأثير على سير أحداث العمل، ومحورية الدور وقدرتها على توصيف الحالة ومسارعتها المستمرة على التغيير والإقناع.
وجدنا بيارا راوية المسلسل، التي غيرت آفاق العمل من خلال ارتباطها الوثيق بالشخصية الرئيسية “شجاع”، ومتسع إبداع كبير سيؤهلها يومًا لتكون بطلة مطلقة لأهم الإنتاجات الفنية في الدراما السورية والعربية.
*إبراهيم الشيخ إبراهيم..أمجد
قدم إبراهيم دوراً جديداً في مسلسل مطبخ المدينة واستطاع أن يخلق مساحة جديدة ويسلط الضوء على موهبته بدور محوري، ولكن لديه إمكانيات أكبر لم يقدمها حتى هذه اللحظة. التعويل على الفترة المقبلة مهم، خاصة وأن لديه تجارب فنية مهمة، كان منها مسلسل المهرج.
*ندى حمزة.. مايا
تمكنت ندى حمزة في أول دور لها، ومن أول وقفة أمام الكاميرا، أن تقدم موهبة جديدة مهمة تستحق التقدير والاحترام. استطاعت بإحساسها العالي وتلقائيتها أن تكون قريبة وغير متكلفة بالمسلسل.
*الوجوه الجديدة
أفرز هذا العمل وجوهًا جديدة ومهمة، فثنائية علي الخزامي ولجين دمج كانت في قمة الروعة، لكونهما يتمتعان بمواهب واضحة، ويمتلكان زخماً معرفيًا وفنيًا على الرغم من حداثة خبرتهما الفنية. ما تم تقديمه في مطبخ المدينة يبشر بالكثير.
كما قدم زكريا فياض وتسنيم العلي ثنائيًا مهمًا للغاية، واستطاعا إيصال معاناة هذه الفئة على الشاشة. تطرق فياض لمسألة بغاية الخصوصية وهي “الإدمان على الشعلة” بموهبة واضحة للغاية، كما قدمت تسنيم أداءً لطيفًا يستحق الوقوف عنده.

*شارة المسلسل
توطين صوت جديد في شارات المسلسلات خطوة في الاتجاه الصحيح، وخاصة أن النجم الصاعد محمد فضل شاكر يمتلك خامة صوتية مهمة وأداءً مميزًا، إضافة نوعية. كلام الشارة يلخص القصة بذكاء منقطع النظير، ولا شك أن صوت شخصية عبد الكبير في مطلع الشارة كان إضافة نوعية وفي المكان الصحيح.