يُعَدّ مشرفي الأكاديمي أحد أبرز الخبراء الصينيين في شؤون الشرق الأوسط بالصين، وقد دأب على نشر تعليقات وتحليلات حول الصراعات والتطورات الإقليمية في وسائل الإعلام الصينية. وخلال إحدى الولائم التي جمعت المشرف بنا نحن طلابه، أبدى الزملاء فضولهم بشأن تجربته في زيارة إسرائيل لأغراض التبادل الأكاديمي والبحث الميداني.
وأوضح المشرف أن هذه الزيارة جاءت بدعوة من الحكومة الإسرائيلية وبعض الجامعات، حيث التقى بعدد من المسؤولين الحكوميين الإسرائيليين، كما قام بزيارة ميدانية إلى جنوب إسرائيل، بالقرب من الحدود مع مصر. وأشار بشكل خاص إلى أن شابة كانت قد شاركت في مهرجان موسيقي في الجنوب عرضت عليه آثار إصابة في رأسها. وعند حديثه عن هذا المشهد، هزّ المشرف رأسه وقال بنبرة تأملية: لم تدعُني أي دولة عربية.
وقد أثار هذا التفصيل لديّ قدراً كبيراً من التأمل، وجعلني أُدرك بوضوح قوة الجهود التي تبذلها إسرائيل في مجال الدبلوماسية العامة تجاه الصين.
تاريخياً، يمكن تتبع جذور الدبلوماسية العامة الإسرائيلية إلى مرحلة الحركة الصهيونية. فقد أدخل أحد قادة الصهيونية، ناحوم سوكولوفمصطلح هاسبارا إلى اللغة العبرية، وهو مصطلح يعني الشرح والتوضيح، ويهدف إلى مواجهة سوء الفهم الداخلي والخارجي، ليصبح لاحقاً جزءاً أساسياً من منظومة الدبلوماسية العامة الإسرائيلية. وتُعَدّ وسائل الإعلام العامة أداة محورية في هذا السياق. وفي إطار دبلوماسيتها العامة الموجهة إلى الصين، لا تكتفي إسرائيل باستهداف الجمهور الصيني العام، بل تولي اهتماماً خاصاً بالتأثير في النخب الأكاديمية والخبراء ذوي النفوذ.
أولاً، تعتمد إسرائيل على منصات التواصل الاجتماعي الصينية الرائجة مثل ويبو وويتشات. وبوصفها دولة متقدمة تكنولوجياً، أدركت إسرائيل مبكراً أهمية المنصات الرقمية الصينية في تشكيل صورتها الخارجية. ففي عام 2011، أطلقت السفارة الإسرائيلية في الصين حسابها الرسمي على ويبو، ثم دشّنت في عام 2014 حسابها الرسمي على ويتشات. وتتنوع الموضوعات التي تنشرها هذه الحسابات، لتشمل الابتكار العلمي والتكنولوجي، والتنمية الاقتصادية، والثقافة والسياحة، إلى جانب بعض القضايا السياسية، في محاولة لبناء صورة دولة حديثة، منفتحة، وديناميكية. وفي الوقت ذاته، تسهم هذه الأنشطة في مواجهة انتشار الخطابات المعادية لليهود ضمن السياق الصيني. وخلال الحرب العالمية الثانية، وفّرت مدينة شنغهاي ملجأً لعدد كبير من اللاجئين اليهود، وهي تجربة تركت أثراً إيجابياً نسبياً في الذاكرة الجمعية الصينية. وعلى خلاف المجتمعات الغربية، غالباً ما ترتبط الصور النمطية السائدة في الصين حول اليهود بصفات مثل “الاهتمام بالتعليم” و”القدرة على تحقيق الثروة”، في حين لا يُعَدّ العداء لليهود ظاهرة شائعة في المجتمع الصيني.
ثانياً، تولي إسرائيل أهمية كبيرة للتواصل الموجّه مع الأكاديميين والخبراء الصينيين ذوي التأثير. إذ تتابع السفارة الإسرائيلية في الصين عن كثب اتجاهات البحث الأكاديمي والنقاشات العامة في الأوساط الصينية حول قضايا الشرق الأوسط. ومن خلال الملاحظة الشخصية، يمكن القول إن عدداً كبيراً من الباحثين الصينيين المتخصصين في شؤون الشرق الأوسط تلقّوا دعوات للمشاركة في أنشطة نظمتها السفارة الإسرائيلية، بما في ذلك فعاليات تبادلية وزيارات أكاديمية وبرامج ثقافية. كما تقوم السفارة بزيارات دورية لمراكز الأبحاث الصينية المعنية بدراسات الشرق الأوسط، بما يعزز قنوات التواصل المؤسسية بين الجانبين.
بوجه عام، لطالما كانت صورة إسرائيل الدولية محل جدل واسع. ومن خلال ممارسات الدبلوماسية العامة، تسعى إسرائيل إلى إعادة صياغة خطابها الخارجي خارج الأطر التقليدية المرتبطة بالصراع، والعمل على الترويج لصورة أكثر إيجابية، مع الحفاظ على تفاعل مستمر مع الجمهور عبر المنصات الرقمية. وتشكل هذه الاستراتيجية التي تجمع بين بناء السرديات والتواصل مع النخب أحد المكونات الأساسية للدبلوماسية الإسرائيلية الموجهة إلى الصين.
منذ اندلاع الجولة الجديدة من الحرب على غزة عام 2023، اتّسم الخطاب الإسرائيلي في وسائل الإعلام الرسمية الصينية وفي السرديات المتداولة على شبكات التواصل الاجتماعي الصينية بقدرٍ متزايد من الصرامة والبرود. وقد ركّزت استراتيجياته الخطابية بدرجة أكبر على سرديات الأمن وتبرير الذات، في حين ظلّ التفاعل مع الخسائر في صفوف المدنيين والتداعيات الإنسانية محدوداً نسبياً.
وانطلاقاً من ذلك، يبرز سؤالٌ أوسع: في خضم هذه الجولة من التنافس الخطابي والمعركة الإعلامية، ما نوع المراجعة التي ينبغي على الدول العربية القيام بها؟ فمقارنةً بالممارسة الإسرائيلية طويلة الأمد، المنهجية، وعالية الطابع المؤسسي في مجال الدبلوماسية العامة الموجّهة إلى الصين، لا يزال الخطاب العربي تجاه الصين يتّسم عموماً بالتشتّت والطابع التفاعلي السلبي، وغالباً ما يقتصر على البيانات الرسمية أو الاستجابات الظرفية للأزمات، دون أن يرتقي إلى مستوى بناء آلية مستقرة ومستدامة للدبلوماسية العامة.
وتبقى مسألة كيفية سرد التجارب التاريخية، والتحديات الراهنة، والمطالب السياسية العربية في إطار يحترم البنية الإدراكية للجمهور الصيني وخصوصية بيئته الإعلامية، وكذلك كيفية بناء إطار تواصلي موجّه إلى الصين يتجاوز سرديات الصراع ليقدّم رؤية أكثر إنسانية وطويلة الأمد، من القضايا التي تبدو الدول العربية اليوم في أمسّ الحاجة إلى التأمل الجاد فيها ضمن المشهد الدولي الراهن للإعلام والاتصال.
