سألتُ أختي الكبيرة:
لماذا نحن نصنع الأعداء في لحظةٍ قياسيّة؟
قالت لي، وهي تبتسم بحزنٍ خفيف:
لأننا لا نُجيد التخفّي.
نمشي بقلوبٍ مكشوفة
في عالمٍ يرتدي القفّازات.
ليس كلُّ عدوٍّ يولد من خصومةٍ صريحة، ولا كلُّ كراهيةٍ تحتاج إلى سببٍ معلن.
أحياناً، يكفي أن تكون مختلفاً، نقيّاً أكثر مما يحتمله المشهد، شفافاً في عالمٍ يتقن الأقنعة، لتتحوّل إلى مرآةٍ جارحة، يرى فيها الآخرون عيوبهم بلا رحمة. والمرآة الصادقة أخطر من السكين.
الإنسان الطيّب لا يصنع أعداءه بالفعل، بل بالحضور.
يدخل المكان كما يدخل الضوء غرفةً اعتادت العتمة؛
لا يكسر شيئاً، لكنه يفضح كلَّ شيء.
وحين تُفضَح الظلال، تشعر بالخطر. هكذا يبدأ العداء: ليس لأن الطيّب أذى أحداً، بل لأنه أيقظ فيهم ما أرادوا دفنه.
الطيبة ليست ضعفاً كما يتوهّمون، بل ارتفاعاً.
هي شرفةٌ مطلّة على معنى أوسع للحياة، بينما يعيش كثيرون في أقبية الخوف والمصلحة والحسابات الصغيرة. وحين تمرّ روحٌ عالية بينهم، يشعرون بأن سقوفهم واطئة، وأن جدرانهم تضيق، فيظنّون أن الخلل في القادم، لا في المكان.
الإنسان النقيّ يربك الخرائط.
لا يجيد لغة الالتفاف، ولا يعرف طقوس التواطؤ، ولا يحترف تبادل الأقنعة. يمشي بخفّة قلبه، في عالمٍ يزن البشر بجيوبهم، ويقيسهم بقدرتهم على الخداع. فيصير غريباً، والغريب في السرب دائماً مشروع عدوّ.
كلُّ مكانٍ تدخله الروح المضيئة يتحوّل إلى امتحان.
إمّا أن يرتقي من فيه، أو أن يتآمر عليه. لأن وجود النقاء يخلق مقارنةً قاسية:
بين من يعيش ليكون، ومن يعيش ليبدو.
بين من يحيا على معنى، ومن يحيا على مصلحة.
بين من يحمل قلبًا، ومن يحمل حيلة.
وهنا تبدأ صناعة الأعداء بصمت:
نظرةٌ تُساء قراءتها.
كلمةٌ تُحرَّف.
نيةٌ تُؤوَّل.
ابتسامةٌ تُتَّهم بالاستعلاء.
وصمتٌ يُحسب غروراً.
فالنفوس المثقلة لا تحتمل الخفّة، والقلوب الملتوية تخشى الأستقامة،
ومن تعلّم أن يعيش في العتمة، يعادي كلّ نافذة.
الإنسان الطيّب لا يملك فنون الدفاع الهجومي، ولا يُتقن هندسة المؤامرة،
ولا يعرف كيف يسبق الضربة بضربة.
هو يمشي بقلبٍ مكشوف، فيصير هدفاً سهلاً، لا لأنّه ضعيف،
بل لأنّه واضح.
الوضوح في عالمٍ ملتبس جريمة.
والصدق في زمن الأقنعة تمرّد.
والإنسانية في عصر القسوة تهمة.
هكذا، يصنع الطيّب أعداءه دون أن يدري.
كلّما دخل مكاناً، هزّ نظامه الخفي.
كلّما مرّ بقلبٍ، حرّك فيه أسئلة مؤلمة.
كلّما قال “أنا إنسان”، شعر غيره بأنّهم أقلّ ممّا يدّعون.
لكنّ المفارقة العجيبة أنّ الطيّب لا يخسر شيئاً.
فالأعداء الذين يصنعهم ليسوا خصومه الحقيقيين، بل شهودٌ على حضوره المختلف.
هم الدليل غير المقصود على أن روحه تسير عكس التيار، وأن قلبه لا يشبه القوالب الجاهزة.
أن يكون لك أعداء لأنك مؤذٍ أمرٌ معيب، أما أن يكون لك أعداء لأنك إنسان…
فتلك علامة طريق.
فالطيبة ليست ضمانة للسلام الخارجي، لكنها جواز عبور للسلام الداخلي.
ومن امتلك هذا السلام، لا يخشى كثرة الخصوم، لأنه يعرف أن الذين يعادونه لا يحاربونه هو، بل يحاربون النسخة التي تمنّوا أكثر أيامهم أن يكونوها.
